التاريخ القديم للشعـب الأرمني

Urartu-map-Tushpaفي البداية نبدأ باستعراض جغرافي تاريخي لأرض أرمينيا التاريخية، من حيث تميزها بارتفاعها عن البلدان المجاورة، والحديث عن حدود ارمينيا  التي تبدو فيها من الغرب مرتفعات هضبة الأناضول، ومن الشرق أذربيجان، ومن الشمال جورجيا، وإلى الجنوب سلسلة جبال طوروس Taurus التي تتاخمها بلاد آشور وبلاد ما بين النهرين… وبهذا تكون أرمينيا قسماً من الهضبة الكبرى الممتدة من آسيا الصغرى وحتى إيران.

إن الدارس لأرض أرمينيا وتركيبها الجيولوجي ومعالمها الطبيعية، يمكنه أن يسميها بلد الجبال والينابيع والبحيرات والأنهار… ولعل جبال آرارات الأرمنية Ararat – حاضنة المملكة الأورارتية – من أشهر جبال الشرق القديم، بل والعالم القديم بأسره الذي عدد سلاسل جبال أرمينيا ذات العلاقة الوثيقة بالمعطيات الأثرية والتاريخية، وأشهر بحيرات أرمينيا كبحيرة فان – وعلى شواطئها الشرقية مدينة فان – وبحيرة سيفان، وبحيرة أورميا Urmia بالاضافة إلى عديد البحيرات الجبلية الصغيرة.

وإذ نسلط الضوء على أنهار أرمينيا ونذكر أهمها مثل نهر أراكس Arax الذي ينبع من جبل بنغول داغ، وينضم إلى نهر الكورة Kura ليصبّا معاً في بحر قزوين. وثمة نهر جوروخ Djorokh الذي ينبع من جوار مدينة بيبورت، ويصب في البحر الأسود.

أما نهر الفرات Euphrates فينبع من قرية قزيل قليسا على بعد 40 كم شمال مدينة أرضروم، ويجري مسافة 2800 كم ليصب في شط العرب، وكذلك نهر الدجلة Tigris الذي ينبع من جبال طوروس جنوب بحيرة فان، ويسير مسافة  2000كم باتجاه شط العرب…

وهناك أنهار هاليس وإيريس وآليس التي تصب في البحرالأسود، وأيضاً سيحون وجيحون والعديد من الجداول التي تنبع من جبال طوروس وأمانوس وتصب في البحر الأبيض المتوسط…

ومن خلال دراسة انهار أرمينيا -من منابعها إلى مصباتها مروراً بمجاريها-نلاحظ أن تلك الأنهار تعتبر بمثابة الشرايين الممتدة من قلب أرمينيا إلى أهم مناطق الشرق القديم النابضة بالحضارة، فتلك الأنهار – وبإشراف من جبال آرارات العالية – تصل إلى جهات أربع متباعدة هي بحر قزوين والبحر الأسود والخليج العربي والبحر المتوسط، ولعل أهم حضارات الشرق القديم قد ازدهرت على ضفاف الفرات ودجلة وسيحون وجيحون، وبالتالي فنحن في هذا الصدد لا نتحدث عن طرق تجارة أو مواصلات أو محطات “ترانزيت” بين أرمينيا القديمة ومناطق الشرق القديم، وإنما عن اتصال حضاري طبيعي أمّنته – أولاً – الجغرافيا الأرمنية في المنطقة، ثم العناصر الحضارية المشتركة بين الشعب الأرمني القديم وسائر شعوب منطقة الشرق.

وهذه العناصر الحضارية المشتركة، إنما موغلة في القدم، وتعود إلى العصر الحجري بمراحله الثلاث، و هنا نرصد دور أرمينيا القديمة في تطور البشرية خلال عصور ما قبل التاريخ، في حقبة غزيرة بالمعطيات امتدت قرابة مليون عام قبل ميلاد السيد المسيح، وأسست لعلاقة حضارية واضحة بين أرمينيا ودول الشرق القديم، ونعدد سلسلة المكتشفات في أرمينيا “ما قبل التاريخ” والتي نعتبرها أدلة حضارية كبيرة على ارتباط أرمينيا القديمة بالمناطق الحضارية القليلة في العالم والتي عرفت الانسان القديم وتطوره بأدواته وأفكاره كسوريا وفلسطين ولبنان والأردن والعراق ومصر وشمال إفريقيا وإسبانيا وفرنسا وإنكلترا والهند والصين…

UrartuHelmetأما فيما يتعلق بأصل الشعب الأرمني بين الواقع التاريخي والأسطورة، فالأرمن شعب هندو-أوروبي ينتمي إلى إحدى مجموعتين، عاشت الأولى منهما في قارة آسيا على تخوم الهند، وفي بلاد فارس (إيران) وأرمينيا وبعض مناطق آسيا الصغرى (تركيا)، ثم انتشرت شمالاً باتجاه القفقاس وجورجيا… وهذا الرأي تؤيده التقاليد الشعبية الأرمنية المتجسدة في أسطورة “بيل وهاييك” التي تبرز كأسطورة تبقي الشعب الأرمني في محيطه الآسيوي الشرقي، وتربط تاريخه بتاريخ بابل والشرق… مع التأكيد على ارتباط الشعب الأرمني بشعب بابل وآشور نظراً للمعطيات الغزيرة التي سجلتها الأحداث بين الطرفين…

أما المجموعة الهندوأروربية الثانية فقد عاشت في قارة أروربا لتشكّل شعوب الجرمان والأنكلوساكسون، ويرجّح المؤرخان اليونانيان هيرودوت (485 – 425 ق.م) واسترابون (63 ق.م – 20 م) أن الأرمن من المجموعة الهندوأوروبية التي استقرت في أوروبا، ثم يتفقان على أن الأرمن ومعهم الفريجيون Phrygians والتراقيون عادوا من أوروبا إلى آسيا مغادرين البلقان عبر البوسفور والدردنيل في القرن الثاني عشر ق.م، واستقروا جميعاً في فريجيا (غرب تركيا حالياً)، ثم انفصل الأرمن عن هذين الشعبين وتوغلوا في الأناضول شرقاً وحتى أرمينيا في القرن السابع ق.م، وهذا ما تذهب إليه النظريات الحديثة في أصل الأرمن، وترى تلك النظريات أن الأمة الأرمنية تشكلت منذ وصول الأرمن إلى الأراضي الواقعة بين نهر هاليس ونهري الدجلة والفرات، وهذه المنطقة المسماة بـ هاياسا Hayasa هي الجزء الشرقي من الامبراطورية الحثية Hittite Empire وفيما بعد المرتفعات الشمالية لأرمينيا، ثم التقى الأرمن بالقبائل الحورية Hurrians غربي بحيرة فان، وقد أدى التمازج الأرمني الأورارتي والحثي والحوري والميتاني إلى ظهور الشعب الأرمني بعد بسط نفوذه على تلك القبائل وتشكيله أغلبية سكانية في المنطقة.

ونذكر أن المؤرخ اليوناني هيكاتايوس الملتي Hecataeus OF Miletus أطلق سنة 550ق.م اسم أرمينوي Arminoi على الأرمن، واسم أرمينيا وجد كما هو تقريباً مسطوراً بالمسمارية على صخرة بهيستون Behiston (غربي إيران حالياً) التي تعود إلى سنة521ق.م زمن الملك الفارسي داريوس الأول، وتحمل نصاً بالفارسية والعيلامية والبابلية.

ويجب التأكيد على أن التاريخ الأرمني يبدأ مع ظهور اسم الأرمن المحدد لغوياً وزمنياً، فالشعوب تتبدل أسماؤها عبر العصور، وهذا ما حدث مع الشعب الأرمني الذي تشير الوثائق القديمة إليه من خلال أكثر من اسم، ولعل كل اسم حمله الأرمن عبر تاريخهم الطويل، إنما عبّر عن مرحلة تاريخية لها خصائص واضحة  …وفي هذا الصدد نعود أدراجنا إلى جبال آررات حاضنة الحضارة الأرمنية القديمة ومهبط وحي الأساطير، ومنها أن الأدبيات الكنعانية القديمة كانت قد رأت علوَّ جبال آرارات الشامخة، فأرست سفينة نوح فوقها…

وبعد المقدمات الخاصة بجغرافيّة أرمينيا وعصور ما قبل التاريخ فيها وأصول الشعب الأرمني – كأحد شعوب الشرق القديم – سنتحدث عن مشكلة الدخول إلى التاريخ القديم لأرمينيا التي تجد لها تعريفاً جغرافياً يعود إلى مليون سنة – بدلالة مكتشفات العصور الحجرية فيه – كما لهذا البلد تعريف إثني وعرقي وميثولوجي واضح الملامح  وتابع أننا حين نتحدث عن التاريخ القديم لبلد أو شعب شرقي قديم، فإنما نقصد العودة إلى تاريخه الذي يبدأ مع العصور التاريخية الكتابية التي بدأت في نهاية الألف الرابع ق.من ولنقل إننا نبحث عن تاريخ أرمينيا بدءاً من الألف الثالثة ق.م…فهل تخبرنا وثائق الشرق القديم عن أرمينيا القديمة شيئاً في الألف الثالثة؟

في هذا الاطار نقول إن جل المؤلفات الخاصة بتاريخ أرمينيا – العربية منها والأجنبية وخاصة المراجع الأكاديمية – لا يقدم أرمينيا للدارس أو القارئ كوحدة تاريخية وأثرية ولا حتى جغرافيّة… هناك تقطيع لأوصال الوحدة التاريخية الجغرافية لأرمينيا، وهذا التقطيع ملموس من خلال المراجع الأكاديمية أولاً… إذ لا توجد إشارات موحدة إلى المكونات الحضارية (التاريخية والجغرافية والأثرية) لأرمينيا، والمعطيات الآتية من مجمع الجغرافيا التاريخية الأرمنية – إن صح التعبير – تذكر متفرقة وملصقة بأجزاء هذا المجمع كلاً على حدة، فنرى معطيات تنتمي إلى جبال طوروس دون الربط مع الأرض الأم، وكذلك الأمر معطيات مناطق بحيرة فان وسيفان وجبال زاغروس وأرتين ومجاري الفرات ودجلة وهاليس، وهضبة الأناضول وشواطئ بحر قزوين… كل هذه المناطق المنتمية إلى الأرض الأرمنية، تذكر ضمن الشواهد الأثرية على أنها مناطق جغرافية غير معرّفة على المستوى الوطني المحلي… وهذا يقدم أرمينيا على صورة نموذج مصغر لشرق قديم يعاني نفس المعاناة، أي محاولات تقطيع الأوصال الجغرافية التاريخية والانفراد بمعطيات الأجزاء لتصويرها وكأنها طفرات إنسانية زمنية لا أساس لها ضمن تطور الفكر الجماعي الموحد والمترابط تاريخياً في الشرق القديم…وبالمقابل فإن محاولات التقطيع هذه ترسم لها مخططات لإعادة التركيب التاريخي للمنطقة تتضمن التركيز على الناحية الكرونولوجية الجغرافية المجزأة، والعبث بهوية المعطيات الأثرية ومضامينها…

وقد ننطلق خلال هذا العرض التاريخي من السؤال التالي: هل من علاقة بين الأرمن القدماء والسومريين في العراق القديم؟؟…فبعد دراسة المخلفات المادية للسومريين تبين وجود صلات وعلاقات بينهم وبين جيرانهم في منطقة زاغروس، ويعد تزايد السكان السريع في المناطق الجبلية المجاورة المعتمدة على الزراعات البعلية، يعد سبباً في استيطان مجموعات منهم في الجنوب الرافدي.

من ناحية أخرى فإن الوثائق السومرية لا تقدم شيئاً ملموساً عن أرمينيا في تلك الحقبة، إلا أنه وفي النصف الثاني من الألف الثالثة ق.م، ترد إشارة أكادية إلى جزء هام من أرمينيا القديمة وهو جبال طوروس، التي وصل إليها الملك الأكادي شاروكين(سرجون) – 2350-2284 ق.م – في إحدى حملاته وقد سمى النص الأكادي جبال طوروس بجبال الفضة، وجبال أمانوس بجبال الأرز… وربما أشار النص الأكادي إلى أرض أرمينيا باسم “توغريس”، كإحدى البلدان التي أخضعها.

إن معرفة القليل عن تاريخ أرمينيا في الألف الثاني ق.م تتطلب دراسة الواقع التاريخي للشعوب الحورية-الميتانية والحثية والأورارتية، وقد ورد سابقاً أن التمازج الأرمني الأورارتي والحوري والميتاني والحثي أدى إلى ظهور الشعب الأرمني بعد بسط نفوذه على تلك القبائل وتشكيله أغلبية… وبالتالي نعرف الشعوب ذات الارتباط الوثيق بالأرمن ومنهم: الحوريون والحثيون والأورارتيون الذين هم شعب أرمينيا الأكثر شهرة في الوثائق القديمة، لهم قرابة مع الحوريين، وهم سكان المملكة التي نشأت في أحضان جبال أرارات… وقد ظهرت مملكة أورارتو في بداية القرن الثالث عشر ق.م في منطقة بحيرة فان، وامتدت أراضيها لتشمل جزءاً كبيراً من أرمينيا، فشكلت حدثاً حقيقياً في منطقة الشرق القديم، وخاصة أنها على حدود الامبراطورية الآشورية، فحدث الاتصال الأول مع الآشوريين في عهد الملك الآشوري شلمنصر الأول (1273-1244ق.م) الذي يذكر في إحدى كتاباته:”في ثلاثة أيام أخضعت أورارتو، أحرقت إحدى وخمسين مدينة وسلبت ممتلكاتها…”.

الدكتور ابراهيم خلايلي
(يتبع)

Leave a Reply

Your email address will not be published.