العمارة المحفورة تحت الأرض في كنيسة الأربعين شهيد في حلب

عرفت مدينة حلب، منذ القدم، كونها من أهم مراكز الالتقاء للتجار، ومركز الأحداث السياسية في الشرق الأوسط، بناء على موقعها الجغرافي. فكافة الطرق مرت من حلب مروراُ من الشمالى الى الجنوب، ومن الشرق الى الغرب وبالعكس. ومن هنا مرت سريّات ديكران الكبير وتجار زمان ولاحقاً قوافل الحجاج المسيحيين.

ويعتقد أن الطائفة الأرمنية استقرت في حلب بعد القرن العاشر وخاصة بعد سقوط مملكة كيليكيا الأرمنية. وعلى ما يبدو فإن أقدم نصب تذكاري أرمني هو كتاب الفرض الكنسي للملك أوشين، المؤرخ بتاريخ 1319 والذي اكتشف في كنيسة الأربعين شهيد في حلب. وحسب رئيس الأساقفة سورمييان أسست طائفة الأرمن الصغيرة في حلب عام 1353.

ويعود أول ذكر تاريخي لكنيسة القديسة العذراء الى عام 1429. كان أساس كنيسة الأربعين شهيد ديراً استخدم لاحقاً كضريح لأزاريا تشوغايتسي (1601) وبدروس كاركاريتسي (1608) وغيرهما. وفي عام 1616 عمل الأمير تشيليبي على بناء المعبد الحالي بإشراف قريبه.

برأي رئيس الأساقفة سورمييان استخدم الطابق الأرضي من المعبد كملجأ وأحياناً مسكناً بارداً في أيام الحر للكثالكسة والمطارنة والرهبان. وحسب وصفه يقول ” منحوتة في صخرة وفي الواجهة يظهر ليوانين على ارتفاع متر واحد”.

ويعتقد الاختصاصي في علوم الآداب د. محمد أسعد طلاس أن كنيسة الأربعين شهيد قد بنيت في القرن الحادي عشر، بناء على شهادة الرهبان. وحسب كتابات الأحجار المتوضعة على بابي الكنيسة فإن الكنيسة قد رممت في المرة الثانية عام 1452. وحسب رأيه أيضاً، فإن الكنيسة قد بنيت فوق بقايا كنائس بيزنطية حيث يمكن الدخول اليها من فتحة صغيرة في الكنيسة.

ويمكن الدخول الى غرفة محفورة تحت الأرض من فتحة 35*35 الموجود في القسم الغربي الداخلي لكنيسة الأربعين شهيد، حيث يقودنا الى سطح الغرفة الجوفية عبر أدراج داخل صخرة. ويوجد هذا المسكن المحفور في الصخرة داخل صخرة مجبول بالطين. ونجد بعد الأدراج مدخلين حيث يقودنا من الناحية الشمالية الى قاعة. وعلى طول قعر الجدار الجنوبي من القاعة يوجد حفر نصف دائرية بمختتلف القياسات يبدو أنها كانت مكاناً لحفظ المؤن. وأكبر حفرة بينها تبلغ متراً و9 أمتار في العمق كانت عبارة عن بئر. وعلى جدار البئر يوجد فتحات 20*20 كانتت عبارة عن أدراج لتنظيف البئر. أما على الجدار الجنوبي فهناك جوف حجري في منتصفه. وفي الجدار الشمالي من القاعة يوجد جوف غير منتظم، أما في منتصف الجدار نفسه فنجد جوف على شكل قوس تبدأ بارتفاع 65 سم عن الأرض، حيث تحتل مكاناً مميزاً بشكلها. فشكلها له طابع الهيكل المسيحي وتوحي الحفر المتوضعة على جدارها الداخلي الى أماكن توضع العتلة في عصر الزيوت التي نجدها في الهندسة المسيحية السورية القديمة، حيث لا يستخدم القوس. ويوحي شكله أيضاً الى الأَضرحة المسيحية السورية القديمة.

يبرز القسم الشمالي من الجدار الشرقي للقاعة نحو الشرق، وهو أخفض من مستوى القاعة وبموقعه هذا يتوضع تقريباً تحت الهيكل الشمالي-الشرقي من كنيسة الأربعين شهيد. أي أنه لم تجري هنا أية طقوس دينية لأن الطقوس تجرى في القسم الشرقي. ويوجد في القاعة العامة من المسكن المحفور في الصخرة عدد من الجدران الحجرية الإضافية والتي حسب رئيس الأساقفة سورمييان كانت تستخدم كدعامات للكنيسة العلوية.

تضاء القاعة عبر فتحتين من الأعلى، إحداها في أعلى البئر والأخرى في سقف الجدار المواجه لها. والاثنتان مغطاة بقعر كنيسة الأربعين شهيد.

ويتصل القسم الشرقي من المسكن المحفور تحت الأرض بالقسم الغربي بمدخل مستقل يمكن النزول اليه عبر بضعة أدراج. يقع القسم المتوسط على قسمين. ننزل من القسم الأول الى الثالث (بعمق 150 سم) حيث يشمل على فتحتين من الجهة الشمالية والجنوبية. ننزل من الأولى الى فسحة دائرية وفيها مقاعد متتالية وهي القسم الأخفض في الطابق المحفور حيث يقع البئر أخفض منه. وقد تم حفر الصخرة من قعرها عمودياً متر واحد الى أعلى حيث تنحني لتشير الى مركزها وتنفتح نافذة اسطوانية تمتد الى أعلى. وحالياً هذه مغطاة أيضاً بقعر كنيسة الأربعين شهيد. أخذت الفسحة الداخلية شكلاً مخروطياً، وتضاء من مركزها من أعلى. يشبه شكل هذا القسم في الطابق المحفور البيوت الأرمنية القديمة التي كانت تكون محفورة أو نصف محفورة تحت الأرض، ويكون سقفها من التراب وتضاء من مركزها من أعلى.

ويقودنا الممر الثالث المفتوح من القسم المركزي الى قاعة صغيرة يوجد على جدارها حفرات عبارة عن مقعدين، أما القسم الشمالي الغربي وهو فسحة بارزة على ارتفاع 50 سم عن الأرض غطاؤها مخروطي الشكل للإضاءة في المركز.

استخدم مفهوم العمارة المحفور تحت الأرض في البلاد الشمالية للحماية من البرد، أما في البلاد الجنوبية فكانت معروفة للوقاية من حر الصيف. وبسبب تواجد حلب في منطقة جو معتدل فقد تم بناء العمارة المحفورة تحت الأرض للسكن بدء من (البيت الروحي) وحتى المعبد وبمساحة أوسع من قبل طوائف لها نشاطاتها الاقتصادية والدينية في مدينة حلب.

تم اكتشاف الكنائس المبنية على الأرض في حلب بعد القرن الخامس عشر مثل كنيسة العذراء وكنيسة الروم التي تقع بقربها وغيرهما. أما العمارة الجوفية في حلب بين (البيت الروحي) وكنيسة الأربعين شهيد وكذلك في المنطقة المتاخمة لها، فقد بنيت قبل القرن الثامن. فالتاريخ المرجّح لبناء الحفرة تحت المعبد هو القرون الثالثة والرابعة. و قد تم بناء الأبنية السكنية والمدنية لاحقاً. لقد قام ببناء الحفرة من قبل الطائفة الأرمنية أو قدسي ترك أثره على الأجيال المقبلة، وعلى أساسها تم بناء الدير ثم كنيسة الأربعين شهيد. ويوحي الطابع الثخين للقاعتين بالشكل المخروطي للحفرة الى البيوت الأرمنية القديمة.

ملحق أزتاك العربي

Leave a Reply

Your email address will not be published.