الشعر الأرمني في بداية القرن الماضي سبق الحداثة العربية!

في يريفان صدرت دراسة الشاعر والناقد الأرميني سركيس كيراكوسيان “قوس قزح فوق الأرز” بالأرمنية وقبل انتهاء العام الحالي تصدر في بيروت، وقد وضع فيها المؤلف خارطة الشعر الحديث في لبنان وذلك عبر سبعة شعراء تناول نتاجهم في مقدمة طويلة وبحث في كيفية رسم الطريق طريق الشعر بدواوين وقصائد كان لها صداها في لبنان والعالم العربي: يوسف الخال، ادونيس، شوقي أبي شقرا، انسي الحاج، بول شاوول، عباس بيضون ووديع سعادة. وقد اختار غيراغوسيان مقتطفات من مؤلفاتهم وترجمها إلى الأرمنية لينقل إلى القارئ الأرمني الواقع الشعري في لبنان، وقد كان لصدور الدراسة وقعها الإيجابي في أرمينيا وتناولها كبار النقاد بمقالات نقدية في أبرز الصحف والمجلات الأرمنية.

وليس سركيس كيراكوسيان جديداً على ترجمة الشعر فتجربته الثقافية المتنوّعة في بيروت بدأت في السبعينات من القرن الماضي ونشر في العديد من الصحف والمجلات اللبنانية والأرمنية الصادرة في لبنان.

و”قوس قزح فوق الأرز” عنوان معبّر ورمزي أراد أن يقول فيه إن الشعراء السبعة الذين تناولهم في الكتاب هم على عدد ألوان قوس القزح وأيضاً بجماليته وفاعليته في ظل الأرز القديم والخالد. وقد تحدث إلى جريدة “المستقبل” عن كتابه الجديد، كذلك عن الواقع الشعري في بيروت، وكانت له ذكرياته من الواقع الثقافي في العاصمة اللبنانية ما قبل الحرب وخلالها وما بعدها، وحاول أن يرصد بأسلوبه الدقيق والمميز جماليات القصائد التي اختارها من دواوين الشعر المذكورين كما تحدث عن تجربته الشعرية الخاصة وعن الشعر في أرمينيا وأمور أخرى:

-كيف يمكن أن تعرّف عن نفسك لقارئ لبناني لا يسعه أن يقرأ كل ما تنشر من قصائد وترجمات ومقالات أدبية في مجلة أرمنية تصدر في لبنان؟

ـ أنا أعتُبر من شعراء الأرمن في لبنان خلال مرحلة السبعينات، وقد واكبت مع غيري من شعراء الأرمن الحركة الشعرية الحديثة في لبنان التي كانت تتقدم بالتوازي مع حركات شعرية عربية بشكل عام وأجنبية خاصة في باريس وأيضاً في أرمينيا حيث كنت أتابع كل جديد شعري هناك.

– أود لو نتوقف قليلاً عند الحركة الشعرية الحديثة في أرمينيا ونظراً لحركة التهجير بعد المجازر في أرمينيا، كيف تلخص لنا ما جرى هناك على صعيد الشعر فقط، فهل بقيت أرمينيا عند مراحل كلاسيكية قديمة أم أن الشعر الحديث قد دخل يريفان كغيرها من عواصم العالم؟

ـ الشعر الأرمني من أوائل القرن الماضي عايش الحداثة ويمكن القول بأنه سبق الحداثة الشعرية في لبنان والعالم العربي بحوالى ثلاثين أو أربعين عاماً والسبب هو أن أوائل القرن العشرين وما قبله وتحديداً في 1895 تقريباً بدأ عدد من الشباب في اسطنبول وأرمينيا بالسفر الى فرنسا وسويسرا وبلجيكا للتخصص الجامعي وعايشوا الحركة الشعرية آنذاك في أوروبا وكانوا يعودون إلى ديارهم، وعدد معين منهم قام بحركة شعرية حديثة في أرمينيا فكتبوا الشعر وكسروا الأوزان الكلاسيكية، لكنهم بقوا ملتزمين بالقافية. وكان أبرزهم دانيال قاروجيان الذي كتب الكلاسيكي ومن ثم الشعر الحر. ثم جاءت مرحلة التهجير الأرمني بعد الإبادة حيث غادر أكثر من 250 ألف أرمني اسطنبول إلى باريس تحديداً، وهناك كان لعدد كبير من الشعراء الشباب أن يختلطوا بالأجواء السوريالية وأهمهم الشاعر نيكوغوس سارافيان أو الروائي شاهان شاهنوق وقد نشر هذا الأخير روايته الأولى في باريس سنة 1925 وكان يبلغ 24 عاماً، وفيها تأثير الجو السوريالي الذي دخل الأدب الأرمني بشكل عام عبر هؤلاء، كذلك حصل مع رسامين شباب. ومن هنا، يمكن أن نقول إن الحداثة الأرمنية عمرها أكثر من مئة سنة وقد ساهمت الهجرة إلى نقلها من عواصم أوروبية عبر الذين كانوا يعودون ويؤسسون هناك أيضاً لصحافة واكبت هذه التيارات الأدبية الحديثة، وكانت التجارب الشعرية متنوعة بالتأكيد. وفي اسطنبول مثلاً قامت حركات شعرية عديدة منها مثلاً ما سمّي بالعربية بالواقعية الاشتراكية مثل كتابات عبدالوهاب البياتي وتأثروا بشعراء مثل ماياكوفيسكي وغيره، وفي هذه المرحلة اشتهر الشاعر “زهراد” الذي كتب “المدينة الكبرى” عن اسطنبول التي كانت آنذاك تعتبر عاصمة الثقافة الأرمنية.

التفاعل اللبناني

– وماذا تقول عن الجالية الأرمنية في لبنان، كيف تفاعلت مع الحركة الشعرية في هذا البلد؟

ـ بعد الهجرة الأرمنية، كان هناك جيل وُلد وتربّى في لبنان وسوريا ومصر وأيضاً في الأردن، وكان هناك أيضاً الجيل الذي وُلد وعاش في أوروبا وأميركا وغيرها وما يسمّى بالدياسبورا الأرمنية كانت متنوّعة لأنّ كل جزء منها تشرّب ثقافة وروحية البلد الذي وُلد فيه ودرس فيه. في لبنان وحتى العام 1945، كان هناك شعراء من الأرمن الذين استمروا في المدرسة الكلاسيكية وكانوا متحفظين على إرث الشعر الأرمني التقليدي، بعد الحرب العالمية الثانية، حركة التجديد في الأدب والنثر والرواية والشعر كان لها وقعها على الجميع في لبنان وبالتالي على شعراء الأرمن أيضاً.

الشعر اللبناني

– لننتقل إلى تجربتك الجديدة في الدراسة التي نقلت فيها واقع الشعر اللبناني الحديث إلى اللغة الأرمنية وبالتالي إلى القارئ الأرمني في أرمينيا والعالم على حد سواء..؟

ـ تجربتي هذه جديدة وقديمة، فأنا بدأت نشر قصائدي في بداية السبعينات في مجلة أرمنية “باكين” وبالمناسبة في هذا العام احتفلت المجلة بمرور خمسين سنة على صدورها وكان ذلك في العام 1962 وتنشرها مؤسسة “هامزكيين” حتى اليوم. وكلمة “باكين” تعني المذبح وكأنّ القصائد تُقدم على مذبح الشعر، وبالفعل استمرارية هذه المجلة سمحت للكثيرين بأن ينشروا ويعبّروا عن آرائهم. هذه المجلة احتضنت الكثيرين وأنا حالياً في أسرة تحريرها. كذلك كان هناك مسرح أرمني وكنّا نقدم أعمالاً كثيرة في “التياترو الكبير” وغيره منذ الأربعينات. وكان هناك عدد من الشعراء والكتّاب يترجمون من الشعر الفرنسي والألماني والايطالي وغيره. أما أنا فكنت أترجم الشعر العربي من لبنان وكافة الدول العربية. وقد نقلت أبرز القصائد الشهيرة إلى الأرمنية. وقد نقل إلى الأرمنية مثلاً ميخائيل نعيمة وأمين الريحاني ومارون عبود من النثر العربي على يد عديدين، ففكرت بأن جيلنا هو جيل الحركة الشعرية الحديثة وبدأت بالترجمة من العام 1973 وحتى اليوم. في البداية ترجمت القصائد من ديوان “لن” لأنسي الحاج وأقمت حواراً معه، ثم التقيت الشاعر يوسف الخال وكان يطبع كتبه في مطابع “هامزكاين” في القنطاري، هناك التقيت به وجمعتنا صداقة فكتبت دراسة طويلة فيها نظرة شاملة عن الشعر العربي ونشرتها في المجلة وكانت حوالى ثمانين صفحة صدرت في ستة أعداد تقريباً وكان ذلك في العام 1973، من العدد 7 إلى العدد 12. كتبت في الدراسة عن الأدب العربي من العصر الأموي الى حركة الحداثة مع “ابولو” ومجلة “سوريال” وصولاً إلى مجلة “شعر” وجيل مجلة “شعر” وعرّفت بالشعراء الذين كتبوا فيها، كذلك كتبت عن مجلة “حوار” لتوفيق الصايغ وأيضاً مجلة “الآداب” و”مواقف” وغيرها.

وإلى جانب الأدباء اللبنانيين يوسف الخال، ادونيس، شوقي أبي شقرا، انسي الحاج، فؤاد رفقة، بول شاوول، عصام محفوظ، تعرفت على شعراء الحداثة في العراق بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، عبدالوهاب البياتي، بلند الحيدري ووصلت إلى سركون بولص، إضافة إلى شعراء لسوريا مثل محمد الماغوط وغيره. وبدأت أنشر القصائد المترجمة وإلى جانب الشعر كنت أنشر النثر مثل قصص زكريا تامر، وأيضاً من روايات الياس الديري والياس خوري ولكني ركزت بشكل أساسي على الشعر، كذلك ترجمت شعر محمود درويش، ومن السبعينات من جيلي وكنا في العشرينات، ترجمت قصائد لبول شاوول وكان في بداية نشره لشعره. أنا شخصياً اخترته وشعرت أنّ لهذا الشاعر مستقبلاً شعرياً أكيداً، وأيضاً ترجمت لسليم بركات وسمير الصايغ وأيضاً لعباس بيضون ووديع سعادة وغيرهم..

في العام 2000، كان هناك اجتماع لـ”اتحاد كتّاب الأرمن” وكان اللقاء لأدباء الأرمن في العالم، وشارك “تجمع الأدباء الأرمن باللغة الأرمنية” وعددنا حوالى 35 كاتباً، وهذا اللقاء يلتئم كل ثلاثة أعوام، فكان في العام 2003 في أرمينيا وفي العام 2006 كان في لبنان، وقد شارك الكتّاب من كل العالم وتم اللقاء في بطريركية الأرمن على مدى أربعة أيام. ومن سنة 2002 بدأ رئيس “اتحاد كتّاب أرمينيا” يشجع ترجمة الشعر الحديث إلى الأرمنية. وحالياً في أرمينيا يوجد مترجمون من مستوى رفيع، خصوصاً لأن عدداً من الأرمن الذين عاشوا في أوروبا وأميركا والعالم العربي صاروا يعودون إلى أرمينيا وعملهم في الترجمة مبدع لأنهم، كل واحد على حدة، يتقن الأرمنية ويتقن لغة البلد التي وُلد فيها. وهذا ما طُلب مني أنا كأرمني أعيش في لبنان وأتقن اللغتين، أن أترجم الشعر اللبناني الحديث إلى الأرمني، فعدت إلى كل القصائد التي ترجمتها منذ السبعينات لأرتبها وأجمعها في كتاب حدد لي عدد صفحاته (حوالى 160 صفحة) على أن تكون خيارات القصائد مدروسة. فعملت شخصياً على اختيار سبعة شعراء كانوا فعلياً، كل على حدة، يشكلون مدارس شعرية لمراحل متلاحقة. كان الأمر صعباً بأن أختار لأن القصائد التي ترجمتها لا تختصرها 160 صفحة، ومع هذا، قررت المضي في المشروع. وفكرت في أنه يجب أن اخصص لكل شاعر بضع صفحات لأظهر تطوّره الشعري عبر قصائده هو لأبرز التصاعد الشعري الذي حصل. في البداية كان عددهم 12 شاعراً ولكن كان من الضروري أن أحذف ومن بين من حذفت أعمالاً مثلاً خليل حاوي الذي أحب شعره كثيراً.

وقد ركزت على مرحلة مجلة “شعر” كانطلاقة للدراسة واخترت بالترتيب: يوسف الخال، ادونيس، شوقي أبي شقرا وأنسي الحاج.

– لقد صنفت الشاعر أدونيس بين الشعراء اللبنانيين وهو سوري الجنسية، فهل التركيز كان على مجلة “شعر” مع كل شعراء العرب من تلك المرحلة؟

ـ لا، أنا أتكلم في الدراسة عن الشعر اللبناني الحديث تحديداً، ولكن أدونيس لبناني أيضاً، عام 1957، نال الجنسية اللبنانية وهو شارك بانطلاقة المجلة وأدونيس صار أدونيس في لبنان، وفي سوريا كانت بداياته فقط. شهرته وتطوّره ومساره الشعري كان في لبنان. ويوسف الخال كان يختلف عن الآخرين، فهو في شعره كتب من ضمن كلاسيكية أضاف إليها وحاول الخروج منها وأخيراً خرج ولم يخرج. هو الذي فتح باب الحداثة، وكان في محاولاته الشعرية يحاول تخطي جدار اللغة. طرح الأفكار في مجلته وفتح الباب لمحاولات الآخرين. وقد ترجمت من يوسف الخال من “البئر المهجورة” و”صلاة في معبد” و”قصائد في الأربعين” و”الولادة الثانية”، ومن أدونيس ترجمت من “أغاني مهيار الدمشقي” و”المفرد بصيغة الجمع” و”بداية الجسد نهاية البحر” وغيرها، ومن شوقي أبي شقرا من “أكياس الفقراء” ومن “سنجاب يقع من البرج” ومن “حيرتي تفاحة جالسة على طاولة..”، ومن أنسي ترجمت من “لن” ومن “ماضي الأيام الآتية” ومن “ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة” ومن “الرسولة بشعرها الطويلة حتى الينابيع” ومن “الوليمة”..

ما بعد مجلة “شعر” وما بعد مجلة “شعر” تناولت بول شاوول وعباس بيضون ووديع سعادة: من بول شاوول اخترت القصائد من “بوصلة الدم” و”أيّها الطاعن في الموت في الموت” و”وجه يسقط ولا يصل” و”الهواء الشاغر” و”أوراق الغائب” و”دفتر سيجارة”.. ومن عباس بيضون ترجمت من كتابه “صور” وأيضاً من “لمريض يسمّى الأمل” و”الموت يأخذ مقاساتنا”.. ولوديع سعادة من “ليس للمساء اخوة” و”رجل يجلس في الهواء المستعمل” و”ربما بسبب غيمة على الاصبع” وغيرها..

– هل توجز لنا رؤيتك في تسلسل أسماء الشعراء السبعة وكيف رأيت أنهم يعطون فكرة واضحة عن الشعر الحديث في لبنان في تسلسل أعمالهم؟

ـ أنا اعتبرت أن كل شاعر تناولته وكان له دراسة تعريفية عن مساره الشعري قبل الانتقال إلى القصائد المترجمة هو الأسلوب الأنسب لأعطي القارئ الأرمني الفرصة للتعرّف على هؤلاء الشعراء والتوصّل إلى متابعة تلك الرحلة الشعرية، كيف بدأت وأين وصلت بتجاربها. كذلك يمكن للقارئ أن يفهم تطوّر كل شاعر على حدة. هؤلاء الشعراء السبعة، إلى حد ما، يختصرون الحركة الشعرية الحديثة في لبنان. بالتأكيد ثمّة أسماء كان يجب أن تظهر أيضاً في الكتاب، ولكن تحديد صفحات الدراسة جعلني أختصر وأترك الأسماء أو الشعراء الذين برأيي وبرأي نقاد كثيرين هم الذين أسسوا: أنسي الحاج الذي التمع في بداياته مع رمزيته ومن ثم وصولاً إلى الغنائية والصفاء، ومع يوسف الخال الذي أسس لمكانة الشعر في لبنان مروراً بكل شاعر وخصوصياته وخصوصيات قصائده: مثلاً بول شاوول في “بوصلة الدم” وفي “أيها الطاعن في الموت، في الموت” كتب عن هذا الجو الدراماتيكي في الحرب المفروضة على لبنان ثم انتقل من كثافة اللغة إلى “وجه يسقط ولا يصل” مع قصيدة البياض، والجميل عند بول هذا التجريب المتواصل، فمع كل كتاب موضوع ولغة وتجربة شعرية مختلفة، فهو شاعر تجريبي متواصل.

ومع عباس بيضون اكتشفنا جمالية تفاصيل الحياة اليومية وإلى جانب هذا غنائية خاصة وكأنّه اعتراف من دون تفكير وزخرفة..

ومع وديع سعادة قصائد وصداقة مع الموت، يحكي عن الموت وكأنه يحكي عن حبيبته، في غنائية تراجيدية مؤثرة ايضاً..

كذلك شوقي أبو شقرا، غرائبي في جو الجبل اللبناني، وفرادة أثرت كثيراً في الشعراء.. كل واحد من هؤلاء السبعة فتح طريقاً خاصاً به، فصرنا نسمع مثلاً أو نقرأ في المقالات النقدية: هذا شاعر جديد يشبه أنسي أو يشبه بول أو يذكّر بعباس أو بشوقي..

الأثر

– وهل كان لصدور هذا الكتاب الأثر الطيب في أرمينيا؟

ـ أكثر مما تتصورين، فهذا الكتاب طُلب من قِبَل وزارة الثقافة الأرمنية أيضاً بمشاركة “اتحاد كتّاب أرمينيا” في يريفان وفي لبنان أيضاً. ولدى صدوره منذ عام تقريباً في يريفان كان له الصدى الكبير وتناولته كل الصحف والمجلات المتخصصة وكافة وسائل الإعلام. أما في بيروت، فسيصدر قبل نهاية هذا العام. بالطبع إن صدوره في يريفان أفاد كثيراً، ولا يمكن أن نصدق عدد الشعراء والكتّاب الكبار الذين كتبوا عن الدراسة وأعجبوا بالقصائد بشكل خاص. وفي النسخة التي ستصدر في بيروت سنضيف مقتطفات من مقالات الأدباء الأرمن وآرائهم في القصائد، وهذا سيضيف لمسة أدبية ونقدية متنوّعة وإيجابية.

– وهل هناك تابع لهذه التجربة؟

ـ أكيد، لديّ مشروع شخصي ليس فقط في الترجمة بل أنوي كتابة انطولوجيا شعرية بعنوان “خمسون عاماً من الشعر” تقريباً من العام 1950 إلى العام 2000 وأضع فيها مؤلفات العشرات من الشعراء اللبنانيين. هذا المشروع بالتأكيد يأخذ سنوات من البحث والعمل ولكن فكرة المشروع بدأت تصير واقعاً، وأنا اليوم بصدد التحضير له. وسأستفيد من حضور الشعراء للترجمة إذ يمكن دائماً أن أقابل الشاعر وأفهم منه فكرته أو غايته من فكرة معينة. وهنا أحب أن أنهي بفكرة وهي أن الترجمة ليست نسخاً لغوياً رخيصاً بل غوصاً في عالم الشاعر حيث عليّ أن أجد في اللغة التي أنقل إليها ما يوازي البُعد العميق الذي أراده الشاعر. على المترجم أن يسمع ما لا يُسمع ويشاهد ما لا يُشاهد، من هنا، فترجمة القصيدة تشبه عمل الصائغ الدقيق الذي يبحث وينتقي بتأنٍ ليصل تقريباً إلى ما يوازي الحالة الصعبة التي عاشها الشاعر لحظة الكتابة، ومع هذا أحياناً لا ننجح تماماً في نقل القصيدة إلى لغة جديدة وهي على قيمتها ومناخها. وشخصياً، أفرحتني هذه التجربة حيث تمكنت من نقل هذا العالم الشعري الذي عايشته في بيروت بشغف ومنذ أن كنت شاباً إلى يريفان وإلى القارئ الأرمني في كل العالم.

تحولات

Leave a Reply

Your email address will not be published.