حسب الروائي الراحل عبد الرحمن منيف:
“إن دراسة المجزرة الأرمنية درس وعبرة لجميع الشعوب وعلى مدى التاريخ”

Munifلقاء سابق أجري مع الروائي والكاتب عبد الرحمن منيف[1] (قبل وفاته)، وطرحت عليه الأسئلة التالية:

– بعد مذابح الأرمن على أيدي الأتراك العثمانيين في العام 1915، وما قبله وبعده ، كانت سوريا الملجأ الآمن للأرمن الذين نجوا من هذه المذابح، ومن سوريا انتقل الأرمن إلى لبنان وغيره في ظروف صعبة وقاسية جداً، ومن هنا فإن لسوريا وشعبها دوراً كبيراً وفضلاً لا ينسى في إيواء الأرمن الناجين وتوفير المأوى والمأكل لهم، فما هي ذكرياتكم عن نكبة الأرمن ووجودهم بينكم في سوريا ولبنان؟

– ما رأيكم بهذه المذابح التي نزلت بالشعب الأرمني المسالم المجتهد على أيدي عتاة العثمانيين الطورانيين؟ وما مشاعركم تجاه هذا الواقع المؤلم؟ وكيف السبيل للانتصاف من واقع تاريخي معروف في حدود رأيكم ؟ وهل من حل ترون؟

– ليس من الصعب إيجاد قواسم مشتركة بين الشعوب المُضطهَدة التي عاشت القهر والظلم، فكيف تنظرون الى القضية الأرمنية – بما فيها من اضطهاد ومذابح ارتكبتها الطورانية العثمانية – كقضية تشبه إلى حد كبير القضية الفلسطينية، بكل ما فيها من معاناة وجرائم ارتكبتها الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني.

فجاء الرد من عبد الرحمن منيف على شكل الرسالة التالية:

لو استبدلنا التسمية الواردة في السؤال، وهي سوريا بحدودها الحالية، بتسمية أوسع، أي سوريا الطبيعية أو بلاد الشام كما كان يطلق عليها خلال فترات تاريخية متعاقبة، وباعتبار أن طفولتي كانت في عمان، أي أحد أجزاء بلاد الشام، فأول ما أتذكره الدكتور سورين، ذلك الطبيب الأرمني الرائع، والذي افتتح عيادة في بداية سوق الخضار. كان هذا الطبيب، في نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات من القرن العشرين، أبرز أطباء عمان وأكثرهم حضوراً وأهمية، لأن جميع المرضى يثقون بقدرته، ويحبون لهجته، ولا يشفون إلا على يديه!

كان الدكتور سورين مخلصاً في عمله وعلاقاته، محباً للفقراء، بحيث أن أي قضية مرضية تستعصي على الأطباء الآخرين تجد حلاً أو فهماً من هذا الطبيب. وكان يجد أغلب من مراجعونه دواء أو عزاء، ولذلك ظلت صورته في الذاكرة: الصلعة المتألقة، الابتسامة، الاستماع الجيد، وتلك العيون الذكية التي تتحرك بسرعة وفهم، وأخيراً ذلك الاطمئنان الذي يتولد من الثقة، ظلت تلك الصورة في الذاكرة لا تغيب عنها.

أما الأرمن الذين يعملون في مجال المكانيك، والذين يصنعون الأحذية، وأولئك المختصون بالنظارات والتصوير، ورغم الأسعار التي يطالبون بها لقاء العمل أو السلعة أعلى قليلاً من أسعار غيرهم، فإن الذين يريدون ألا تنقطع سياراتهم في الطرق الصحراوية، أو من يبحثون عن أحذية تبقى في أرجل أولادهم شهراً بعد آخر، ولها قدرة على مقاومة الأمطار، ومعاندة أحجار الطرق غير المعبدة، وتقوى على رمي الكرة الى أبعد مدى، ثم أولئك الباحثين عن نظارات تسعفهم لتمييز الحروف والأرقام… هؤلاء لن يجدوا ما يبحثون عنه إلا عند الأرمن.

ومن يحبون السجق واللحوم المقددة، ومن تستهويهم أنواع الكباب الذي تشتعل في الفم ثم في المعدة، ومن يحبون المخللات والبهارات والأكلات ذات المذاق الخاص، فإن هذه وغيرها لا توجد إلا عند الأرمن.

أما التصوير، وكان في فترة الأربعينات أمراً جديداً ، فإن المختصين به هم من الأرمن: على الأرصفة أولاً، ثم في المحلات الفخمة، خاصة بعد أن بدأت تصل الكمرات الجيدة وكمرة كوداك بالذات.

ومن الصدف الجميلة أن المنطقة التي سكنت فيها خلال تلك الفترة، كان من سكانها عائلة أرمنية يشتغل رب الأسرة في تحميض الصور وبيع آلات التصوير، وقد قامت بيني و بين أولاد هذه الأسرة الذين كانوا في مثل عمري صداقة مازلت أذكرها رغم مرور السنين، و لا ادري أين أصبح وليم وخاتشيك اليوم… ربما مازالوا في عمان… وربما سافروا الى مكان آخر، لكن لازلت أعتبر تلك الأيام ، ومع هذين الصديقين، وأصدقاء آخرين، أجمل أيام العمر.

هذه الذكريات تعززت ثم تأكدت أثناء إقامتي في دمشق بدءاً من الستينات، فقد تكونت لي صداقات جديدة و متنوعة، كان الأرمن جزءاً منها. جاءت بالصدفة، بالحظ الحسن، كما يقال. وهذا ما دعاني لأن أجعل الشخصية الأرمنية أحد المفردات الأساسية في بعض الروايات التي كتبتها. كتبت عن سوران في “سيرة مدينة” عمان في الأربعينات. وكتبت في “مدن الملح” عن آغوب. و كتبت في ” أرض السواد ” عن ميناس وأمه. فعلت ذلك لأن الخارطة العربية، خاصة في بلد الشام ل تكتمل إلا بوجود هذا الطيف من الشخصيات الغنية وذات الدلالة.

وآخر ما أريد أن أقوله عن كيفورك تيمزيان، ذلك الصديق الذي تعرفت عليه في وقت متأخر، منتصف الثمانينات، لكن من خلال العلاقة والاحتكاك والود اكتشفت أنه يمثل أجمل وأغنى الصفات في هذا الشعب: الإخلاص، المحبة الرغبة الحقيقية في الحياة والحب والغناء والشعر، وأيضاً ذلك العناد في الدفاع عن المضطهدين والمظلومين والحق والحقيقة، لكن أجمل ما يتمتع به، ربما كجميع الأرمن، الذاكرة. لا يريد أن ينسى، ولا يسمح بنسيان ما وقع في بداية القرن.

لقد تعرض الشعب الأرمني في العصر الحديث الى ظلم لم يتعرض له إلا شعوب قليلة في هذا العالم. حصل ذلك نتيجة التعصب وضيق الأفق والمكر الدولي، الهرمون قبل أن يتهاودوا لا بد أن يبطشوا بمن هم أضعف منهم، والأدوات التي تستخدم لهذا البطش أدوات غبية، وبعض الأحيان مسخرة. والضمير الدولي الذي يمكن أن يحمي أو يحد من العدوان كان مشغولاً باقتسام الغنائم أو الاستعداد لما هو آت. وهكذا دفع الأرمن ثمناً غالياً قبل الحرب الأولى، لأن الطورانيين قبل سقوطهم يريدون أن يثبتوا لأنفسهم، قبل أن يثبتوا للآخرين، أنهم قادرون على الانتقام وخلق الأمثولة. والأوروبيون كانوا غارقين حتى الرقاب بحسابات الربح والخسارة، فسكتوا أو تواطئوا، وكان الشعب الأرمني الثمن.

إن دراسة لتلك الحقبة، بكل تفاصيلها ومراحلها ، ضرورية، لتكون درساً تاريخياً ولأن دراسة من هذا النوع لم تتم في الوقت المناسب، فقد دفع الفلسطينيون ثمناً إضافياً، أو دفعوا فاتورة كان قد تم دفعها سابقاً، وهكذا تكررت المأساة مع فارق بسيط في التفاصيل وفي التوقيت. ولذلك فإن دراسة المجزرة الأرمنية درس وعبرة لجميع الشعوب وعلى مدى التاريخ.

أما كيف تعالج المشكلة، ومتى، فإن التاريخ – الذاكرة بشكل خاص، يمكن أن يقدم الوقائع، لكن يبقى أصحاب الحق والشهود ثم القضاة، وما دام الأرمن هم الذين يملكون الحق والذاكرة، وما دام الشهود كثر، فإن الأمر متعلق بوجود محكمة للتاريخ، وهذا ما يجب أن يكون أحد مطالب المرحلة المقبلة.

– يمكن للظلم أن يحدث أثراً، وقد يكون كبيراً، لكنه لا يخلق حقاً، ولا يجعل الأمر الواقع قانوناً دائماً. القوة عنصر فرض، والقوي قادر على أن يفرض بعض الحقائق لبعض الوقت، لكن القوة، خاصة النابعة من الظلم، لا تستطيع أن تغير الوقائع أو تديم تزويرها. لذلك فإن للظلم جولة وللحق جولات، كما يقال، شريطة أن يبقى من يذكر، من لا ينسى. كما أن القوي اليوم لا يعني أنه قوي الغد، ومن فرض الآن، نتيجة اختلال موازين القوى، لن يستطيع غداً إذا تغيرت هذه الموازين.

الأمر الهام والضروري: الذاكرة، أولاً، ثم الاستعداد لانتزاع الحق المسلوب ثانياً. قد يتطلب الأمر عقوداً وربما قروناً، لكن ضمن حالة من الاستعداد والتكيف مع المتطلبات الجديدة والأسلحة الحديثة. أما أن يعاد الحق لمن انتزع منهم دون مطالبة، دون متابعة، فلن يتم ذلك في ظل “مدينة”‏ متوحشة، أنانية، ظالمة، ولا تعترف إلا بالقوة والجدارة، وأيضاً انتزاع الحق بالقوة إذا لم يعد سلماً. وهذا التحدي بمقدار ما يواجه الأرمن يواجه العرب وشعوب أخرى، الأمر الذي يستوجب تركيز الفكر والإرادة والقوة من أجل استعادة الحقوق، إذا استبعدنا رغبة الانتقام. والى أن تتحد الأولويات، وتشحذ الإرادة، وتتراكم القوة، لا بد من دفع أثمان إضافية في ظل عالم قاس وموازين مختلفة.

عبد الرحمن منيف


[1] “من مؤلفاته (مدن الملح) – التيه 1986 – 1989 بيروت، و(أرض السواد ) بيروت 1999 وغيرها. ويعتبر عبد الرحمن منيف من أهم الروائيين العرب الذين أدرجوا الشخصيات الأرمنية في رواياتهم. فهناك سورين مثلاً في (سيرة مدينة عمّان)، وأكوب في (مدن الملح)، وميناس ووالدته في (أرض السواد)”.

Leave a Reply

Your email address will not be published.