حوار مع الشاعر والناقد الأرمني سركيس كيراكوسيان

سركيس كيراكوسيان: ينبغي في الترجمة أن تكسر اللغة ليستقيم الشعر والعكس صحيح

اسكندر حبش

 

“قزح الأرزات” هو العنوان الذي أعطاه الشاعر الأرمني سركيس كيراكوسيان لمختاراته من الشعر اللبناني، التي صدرت حديثاً بالأرمنية عن اتحاد كتاب أرمينيا في يريفان. كتاب ينقل بعضاً من أبرز التجارب الشعرية اللبنانية، ويصر على انه ليس أنطولوجيا كاملة، بل إن هذه الأنطولوجيا ستصدر قريباً وتضم أكثر من ثلاثين شاعراً لبنانياً.

تجربة طويلة (منذ السبعينيات) قضاها سركيس كيراكوسيان في نقل الشعر العربي إلى اللغة الأرمنية، ما أتاح له معرفة أكثر من وافية بهذا الشعر، الذي يقدم نماذجه بحب وإبحار بين اللغات والعوالم. حول هذا الكتاب وهذه التجربة كان هذا اللقاء.

-أنت شاعر باللغة الأرمنية، تكتب النقد أيضا ومترجم، بداية كيف جئت إلى الأدب العربي؟

ـ كوني شاعرا وناقدا وأنتمي إلى جيل السبعينيات، صادقت في تلك الفترة كوكبة من الشعراء اللبنانيين والعرب، بينهم بول شاوول ووديع سعادة وسمير الصايغ وسليم بركات، وكنّا نتحدث دائما عن الأدب والترجمة وبخاصة إلى اللغة الأرمنية. كانت أشهر الأعمال الأدبية كالفرنسية والألمانية والانكليزية مترجمة إلى الأرمنية، فقط ما كان يجهله القارئ الأرمني هو الأدب العربي الحديث، فقلت لنفسي عليّ أن «أختص» بترجمة هذا الأدب الذي أعيش في محيطه. من هنا بداياتي كانت مع ترجمة الشعراء «الرواد» مثل بدر شاكر السياب، الماغوط، أدونيس، أنسي الحاج. في العام 1972، كان الكتّاب الأرمن الذين ينتمون إلى الجيل الجديد، يجتمعون حول مجلة «باكين»، تماما مثلما اجتمع الشعراء والكتّاب العرب حول مجلة «شعر» ومن ثم مجلة «مواقف»، وكانت هذه المجلة تُطبع هنا في لبنان في مطبعة «هامسكايين»، وكان يوسف الخال يومها، يطبع الكتب الصادرة عن مجلة «شعر» في المطبعة عينها، وهناك تعرفت إلى يوسف حيث قدم لي أعدادا من مجلة «شعر» لأبدأ دراسة هذه المجلة وحركتها الشعرية، كما بدأت الإطلالة على حركات الشعر العربي الحديث، من «أبولو» وصولا إلى «سريال» لأورخان ميسر وغيره.

-ماذا رأيت في هذه الدراسة، إذا جاز القول؟

ـ أستطيع القول إن غالبية الشعراء لم يكونوا يكتبون الشعر الحديث بل قصائد التفعيلة، فقط وربما تأثيرات إليوت وباوند تجدها عند السياب لا عند الملائكة ولا غيرها، واستنتجت يومها أن الذين يكتبون الشعر الحديث والذين أحدثوا نقاشا يومها في العالم العربي هم شعراء الواقعية الاشتراكية، مثلما كان يطلق عليهم في ذاك الزمن كالبياتي وغيره. وحتى هذا الشعر لم يكن جديدا بالمطلق، بل ربما كانوا متأخرين خمسين سنة عن ماياكوفسكي، هذه الواقعية الاشتراكية عرفها الشعر الأرمني في العشرينيات وبخاصة الشعر الأرمني الشرقي مثل تشارنتس الذي عاش ودرس في موسكو، وقد تأثروا يومها بمناخ الاتحاد السوفياتي، كما تأثر هذا الشعر بالسوريالية.

في أي حال، عبر هذه الصداقة مع يوسف الخال دخلت إلى مجلة شعر، وأعتقد أن أول دراسة عن مجلة شعر جاءت باللغة الأرمنية قبل العربية، إذ نشرت في مجلة «باكين» دراسة طويلة عن «شعر» عبر ستة أعداد، حيث تضمنت أول حلقتين دراسة تاريخية عن الشعر العربي الكلاسيكي منذ الجاهلية، وقد استفدت من كتاب أدونيس «ديوان الشعر العربي»، لأكتب عن حقبات الشعر العربي، وأصل إلى تجارب النهضة، ومن ثم العصر الحديث الذي خصصت له الحلقات الثلاث الأخيرة، وأكتب عن أدونيس وأنسي الحاج والخال وفؤاد رفقة وسعدي يوسف والسياب والماغوط وسركون بولص وغيرهم. وقد فتحت لي هذه الدراسة العديد من الآفاق، حيث بدأت أيضاً ترجمة الشعر العربي إلى الأرمنية.. وإلى جانب هذه الأسماء التي ذكرتها ترجمت أيضا لمحمود درويش وغيره.

-كتابك الأخير الصادر مؤخراً هو ترجمة إلى الأرمنية لبعض الشعراء اللبنانيين، وكما تفضل أنت تعطيه عنوان «قزح الأرزات»، كيف ولد هذا الكتاب؟

ـ العام 2002 انعقد في يريفان أول مؤتمر للأدباء الأرمن (بعد استقلال أرمينيا)، الذين يعيشون خارج أرمينيا كما داخلها، حيث توافد الجميع من أكثر من 20 دولة. بعد انتهائه، طلب مني رئيس اتحاد كتاب أرمينيا أن أختار مما ترجمته في «باكين» و«صحيفة «أزتاك»، لنشره في كتاب حول الشعر اللبناني الحديث. جمعت ما كنت نشرته، لكني رأيت أنه من المفروض أن أكمل هذا العمل بترجمة بعض الشعراء الحديثين الذين لم أترجم لهم من قبل، فبدأت الاختيار، فاخترت أكثر من 12 شاعراً، ومن ثم قررت اختصار العدد إلى سبعة فقط تيمناً بلون قوس قزح الذي يحمل ألواناً سبعة، من هنا يحوي هذا الكتاب على سبعة شعراء وقد اخترت أربعة ينتمون إلى مجلة «شعر» هم الخال، الحاج، أدونيس وشوقي أبي شقرا، وثلاثة ينتمون إلى الجيل اللاحق الذي ورث روح الحرية في الإبداع وهم عباس بيضون، وديع سعادة، بول شاوول. وأحب أن أقول إن هذا الكتاب ليس أنطولوجيا شاملة.

الأرمنية لغة «بلاستيكية»

– هل لديك فكرة نشر أنطولوجيا شاملة؟

ـ أجل أعمل عليها انطلاقاً من هذا الكتاب، إذ بالإضافة إلى هذه الأسماء التي ضمها هذا الكتاب، هناك الكثير من الأسماء الأخرى التي سأضيفها… هذا الكتاب الجديد سيصدر بدعم من وزارة الثقافة في أرمينيا وبلدية برج حمود.

-ما هو توجه هذه الأنطولوجيا، إذا جاز السؤال؟

ـ أولا ستحمل اسم «خمسون سنة من الشعر اللبناني الحديث»، أي من 1950 إلى 2000 وستحوي ثلاثين إسماً، وأتوقف كما قلت عند العام 2000، وربما أضفت بعض الأسماء الجديدة. سأقرر لاحقاً.

    • ما الصعوبات التي واجهتها خلال الترجمة؟

ـ أولا الصعوبات اللغوية، فكما تعرف لا تحتوي اللغة الأرمنية على المؤنث والمذكر، ولا المثنى أيضاً، خذ مثلا شاعراً يتحدث عن حبيبته (هي) عليك أن تجد طريقة كي يتمكن القارئ الأرمني من فهم أن هذا الكلام موجه إلى امرأة. في أي حال، اللغة الأرمنية لغة «بلاستيكية» أي أنها تساعد كثيراً على الترجمة، حيث يمكنك أن تشكلها وتمزج فيها العديد من الحالات، أي أنها لغة متحركة كثيرا. أضف إلى ذلك أن كل شاعر (أرمني) يملك قاموسه الشعري الخاص، أي ثمة تعابير خاصة به، وكأنه اخترع كلماته الخاصة، وهذا ما سهل عليّ الترجمة.

-هناك اليوم العديد من الترجمات من العربية إلى الأرمنية، لكننا لا نجد كثيراً ترجمات من الأرمنية إلى العربية؟ أين المشكلة؟

ـ تكمن المشكلة برأيي أن الذي يريد أن يترجم من لغة إلى أخرى عليه أن يكون مبدعاً باللغة التي يريد الترجمة إليها، بمعنى إذا أردنا أن نترجم الشعر الأرمني، على المترجم أن يكون شاعراً بالعربية، لأن اللغة ليست كلمات فقط بل روح وموسيقى الخ.. عليك أن تجد طريقة لنقل هذا السكون بين كلمة وأخرى. مثلا حين تنقل «لن» لأنـسي الحاج إلى الأرمنية، عليك أن تكسر اللغة الأرمنية كي يستقيم الشعر، والعكس صحيح أيضاً. أي عليك أن تعرف كيف تعيد تجربة الشاعر اللغوية بلغة أخرى.

أجرى الحوار: إسكندر حبش

السفير

  1. I find translation is more difficult than writing poetry…because you should enter the core of the poet in his cardiomyocytes and in his brain cells: astrocytes and dendrites…

Leave a Reply

Your email address will not be published.