روح أرمنية في الأدب الأمريكي:
سارويان بأقلام عربية

يبدو أن الكاتب الأمريكي الشهير الأرمني الأصل ويليام سارويان (1908- 1982) هو من أقرب الكتاب الأمريكيين الى القارئ العربي على اعتبار أن عدداً لا بأس به من مؤلفاته ترجمت الى اللغة العربية. كما يمكن تصنيفه أنه من أكثر الكتاب الأمريكيين الذين يكتب عنهم في الصحافة العربية.

SEP09_William_Saroyanفضمن سلسلة (إبداعات عالمية) الكويتية صدرت الترجمة العربية للمجموعة القصصية بعنوان (اسمي آرام) وهي الأشهر بين كتاباته في الأوساط الأدبية وتشتمل على سيرة سارويان الذاتية وطفولته. وجاء في الصحف أن اسلوب الكتابة لدى سارويان في هذه المجموعة “لا يخبر فقط عن المنطق الطفولي الذي تقمصه سارويان ببراعة، بل يعبر أيضاً عن روح أرمنية شرقية ظلت كامنة في ويليام سارويان صغيراً وكبيراً “. (الشرق الأوسط، 24 مايو 2006).

وحول تلك المجموعة كتب عارف حمزة تحت عنوان “نكهة الشرق لحياة مطبوخة في الغرب عن (اسمي آرام) لويليام سارويان” إذ يقول: ” القصص عبارة عن سيرة يتلوها الطفل آرام عن حياته وجذوره الأرمنية وحياة أقاربه وحكاياتهم ونصائحهم وتجاربهم وجنونهم وبساطتهم وحبهم في الأرض الأمريكية التي هاجروا إليها. فهي سيرة طفولة بامتياز… إذا عرفنا أن هذه المجموعة القصصية قد صدرت في طبعتها الأمريكية الأولى في عام 1940 فذلك يعني أن هذه الطفولية في الكتابة، وهي نموذج الاحتراف في الكتابة، وصل إليها سارويان وهو في الثانية والثلاثين من عمره وهذا دليل واضح على حرفية سارويان ونضجه المبكر ومعرفته لما يريد أن يقول بأقصر الطرق وأبسط الكلمات ولكن بأكثرها وأجملها تأثيراً في القارئ…”.

ويختم صاحب المقال بالكلمات التالية: ” (اسمي آرام) مجموعة قصصية لذيذة ورشيقة وممتعة تتحدث عن الروح الشرقية الأرمنية التي تتجول مع خط سير وحياة المهاجرين داخل الأرض الأمريكية. بمعنى آخر، قدم سارويان قصصاً تفوح منها نكهة الشرق الخاصة لحياة مطبوخة على نار هادئة في الغرب”.

نشر سارويان أول أعماله عام 1934 بعنوان (الشاب الشجاع على الأرجوحة الطائرة)، تم تتالت الأعمال (مشكلة النمور)، (أيها الحب إنني أخلع لك قبعتي)، (ما أجمل السلام)، (الكوميديا الانسانية)، (الكوميديا الباريسية)، (الكوميديا اللندنية)، (قلبي في البلاد العالية)، (اذهب أيها العجوز)، (السمين وقت المجاعة)، (أهل الكهف) و(زمن حياتك) التي فازت بجائزة بوليتزر وتعتبر من أكبر الجوائز الأدبية الأمريكية، وأصبح واحداً من أبرز كتاب الولايات المتحدة في القرن العشرين.

يصنف سارويان أيضاً من ضمن الكتاب المهاجرين الى أمريكا الذين حملوا معهم الكثير من أوطانهم وأضافوا للأدب الأمريكي التنوع الثقافي. فقد جلب سارويان معه الشخصيات وقصصه وبؤسه وبساطته وطرافته، ولذلك ينظر إليه على أنه “النكهة الأرمنية في الأدب الأمريكي”.

وحول القصة بعنوان (ثلاث قصص) وقصة (عم الحلاق) كتب أديب كمال الدين تحت عنوان “وليم سارويان: مسرح ترويض الحياة وجحيمها المستتر” يقول: ” يقدم سارويان شيئاً عجيباً فهو يكتب، ببساطة شديدة، ليوصل إلينا موضوعاً غاية في العمق. لقد سجل الكاتب لنفسه هنا موقفاً حقيقياً قلّ نظيره. إنه كاتب الإنسان المسحوق المعذب الذي يحاول أن يروّض صعوبات الحياة حتى لو اضطر إلى أن يضع رأسه كل يوم في فم النمر ضمن عروض سيرك فرنسي جوّال، لكن مشكلة بطل قصة سارويان – ومشكلتنا جميعاً – أن النمر يمكن أن يطبق فكيه في أية لحظة لينهي وإلى الأبد هذا الشيء الذي يسمى الحياة. وإذا كان النمر قد فعلها في (عم الحلاق) فقطع رأس بطل القصة فنزلت الدمعة من عيوننا وقلوبنا لعبثية الحياة، بل لهمجيتها التي تضطر الإنسان ليضع رأسه في فم النمر كل يوم من أجل رغيف الخبز فإنّ سارويان قد فعلها هو الآخر فصوّر بحروفه وكلماته هذه الصورة المرعبة التي لن تفارق مخيلة من يقرأ قصته العظيمة هذه أبداً”.

كما تناول أديب كمال الدين موضوع غربة سارويان وقال: ” تعود هذه المعرفة الحقيقية التي يتحلى بها هذا الكاتب عن الإنسان وغربته ومحبته في مواجهة الفقر والخيانة والتمتع والمرض واللاجدوى إلى حقيقة كونه  كاتباً صنعه الشرق والغرب معاً، وصنعته الحياة بتجاربها المريرة، مثلما صنعه الاحساس بمحنة الوجود التي حاول المفكرون والفلاسفة والشعراء والفنانون أن يجدوا لها حلاً أو على الأقل أن يخففوا من غلوائها. فويليام سارويان الذي أبصر النور عام 1908 من عائلة أرمنية مهاجرة إلى أمريكا كان قد ولد في ولاية كاليفورنيا وفيها عاش، لكن الحياة هي التي صقلت أحاسيسه وهذبته وليست الجامعة وفي هذا شيء كان لصالحه فهو لم يكن، ولم يحلم يوماً ما أن يكون كاتباً نخبوياً بل على العكس من ذلك قاتل من أجل أن يكون نصه الإبداعي مرآة للإنسان البسيط المسحوق الذي تتفنن الحياة – برغم جمالها الخارجي الأخّاذ – في سحقها بأسنانها السود التي لا يعرفها إلا من تمزّق وتعذّب في خيارات الحياة بين الحق والباطل، والعري والتستر، والشهوة والتبتل، والجوع والتخمة، والأسود والأبيض. خيارات الحياة بين أن نملك كل شيء ونخسر أنفسنا أو نخسر كل شيء لنملك أنفسنا. يقول واصفاً محنته التي هي بالتأكيد محنة جماعية: ألقي القبض عليَّ ثلاث مرات في حياتي الأولى في الميتم، والثانية في المدرسة، والثالثة في الجيش. فقضيت أربع سنوات في الميتم وسبعاً في المدرسة وثلاثاً في الجيش. وفي كلّ مرة يُلقى فيها القبض عليَّ، يبدو الزمن حينها ثقيلاً أبدياً، لكنني كنتُ مخطئاً فالحقيقة هي انني قد ألقي القبض على منذ أن ولدت، منذ أن أبصرت نور الحياة “.

وحسب رأي كمال الدين “إن هذا الصراع من أجل الحرية وكشف أسرار الحياة حقق لسارويان الأمريكي الأرمني دخولاً جريئاً في عدم الحياة السعيد وعبثها البرّاق وألوانها التي لا تكفّ عن التبدّل والنمو والسؤال. يقول: كان كل يوم جديد بمثابة مغامرة مثيرة، فاليوم في حد ذاته مغامرة بصرف النظر عن الأحزان التي تقع فيه. هذا اليوم الجديد فرصة للاقتراب من منابع الصحة الفكرية والجسدية التي تتساوى مع معاني الخلود التي يتخيلها الإنسان. في تلك اللحظة من الاتحاد مع الحياة تصل الاحاسيس إلى الذروة التي تتنفس فيها مع الكون كله سر الوجود بما يحمله من مادة ونور ونار وزمان ولا يوجد معنى آخر للحياة إلا في تلك اللحظة التي يتحدّ فيها الإنسان مع الكون. هذا الاتحاد لا يبدو فقط في الأحداث الملحمية لكن في كلّ لحظة من لحظات اليوم الذي يعيشه الإنسان العادي” .

وعن مسرحية (أهلاً هيّا إلى الخارج) تحديداً كتب أديب كمال الدين يقول: ” لقد نالت المسرحية إعجاب النقاد البالغ واعتبروها أفضل مسرحياته فنياً لأنه تخلّى عن روح التفاؤل المبالغ فيها واستطاع من خلالها أن يبلور مضموناً إنسانياً عميقاً يتمثل في الحكم بالإعدام على إنسان لم ينل نصيبه من المحاكمة العادلة، ولم يتأكد أحد من أنه المذنب الحقيقي. هذا المضمون المأساوي استطاع سارويان أن يجسّده في مسرحية من فصل واحد فقط، ومع ذلك تمكن من أن يصل إلى أغوار انسانية عميقة قد تعجز عن الوصول إليها المآسي الكلاسيكية الصاخبة، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدلّ على الخصوبة الفنية التي يتمتع بها سارويان” .

لم ينسى النقاد والصحفيون أن سارويان مواليد فريزنو حيث كتبت الصحفية لورانس ريتر تقول: ” لم يتميز الكاتب وليام سارويان فقط باسلوبه الرقيق الذي كان يشبه الضبابة الخفيفة التي تلف الحقول والأشجار المثمرة في فريسنو، المدينة التي رأى فيها النور في ولاية كاليفورنيا (الولايات المتحدة). إذ أن نتاجه، المستوحى بقوة من طفولة شهدت تجاذباً دائماً بين أرمينيا، البلد الأصلي، ووعود أمريكا في بداية القرن العشرين، مطبوع بتمزق الهجرة والاقتلاع.”

من الواضح اختلاف الطروحات والتسميات في الصحافة العربية حول وليم سارويان. إنه “كاتب البسطاء والحب الذي لايموت” كما سماه عبد الفتاح قلعه جي. ويفتتح مقاله بمقولة لسارويان (سر المسرح هو الحب.. والحب خالد، أما الكراهية فتموت)، “هكذا يقول على لسان أبطاله وليام سارويان الكاتب الأمريكي – الأرمني الذي حمل معه سحر الشرق، بحكم انتمائه الأسري له، وبشّر بفلسفاته في قدسية الروح الإنسانية، وراح يزرع بما أبدع من قصص ومسرحيات في القارة الجديدة المليئة بالمتناقضات والصراعات والقسوة حب الناس للناس، ولا شيء غير الحب، موقناً بأن الكراهية لا بد أن تموت. نصوصه مرآة للانسان البسيط المسحوق الذي تتفنن قوى الظلم والبؤس الاجتماعية في أن تذيقه ألوان المعاناة ولكنه يبقى مصراً على الحياة متسلحاً بحب إنساني لا محدود وأمل شارق. وهو مصر على كشف أسرار الحياة من خلال مغامرة العيش اليومية والاتحاد مع الكون…”.

كان أبطال سارويان وما زالوا دائماً تحت مجهر النقاد والصحفيين. يذكر عبد الفتاح قلعه جي أن أبطاله هم نماذج بشرية طيبة إنسانية يجمعها الحب والإيثار، وهو يثق بهم ويتعاطف معهم، ويقدمهم للقارئ بحنان ورقة وشفافية، وحتى الأشرار فإنه لا يحتقرهم بل يعطف عليهم ويحاول أن يفهمهم. كما يشير الى أن شخصيات سارويان هي شخصيات إنسانية ساطعة، وشخصيات أخرى كثيرة هي نماذج لبسطاء الناس ومعوزيهم.

أما د. نبيل راغب في (موسوعة أدباء أمريكا) يشير الى الإنسان لدى سارويان هو ذلك الكائن الذي يعرف مكانه جيداً من العالم المحيط به، عندئذ يمكنه الانطلاق من قيود اللحظة الراهنة والخروج الى المجال المشحون بالقوى غير المحدودة والمعجزات الباهرة. ذلك المجال الذي يفقد فيه الزمن سطوته الباهرة “.

وما بين أرمينيا وأمريكا ينفرد ويليام سارويان بكتاباته وسخريته من الحياة وعذاباتها بين الميتم وفريزنو. إنه حقاً كاتب غزير الانتاج ومليء بالحزن والدعابة في آن واحد. وقد ترك لنا إرثاً من الأدب والوصايا على نحو: تنفس بعمق، وكل بأقصى ما تستطيع من شهية، نم نوماً عميقاً، واضحك كالجحيم …

وعلى ما يبدو كان 31 من آب العام الماضي يوماً جديداً حيث قامت اليونيسكو الى جانب مسقط رأسه فريزنو، وبمناسبة العيد المائة لولادته، بتكريم ويليام سارويان.

وتبقى الحكمة في مقولة سارويان: “كان كل يوم جديد بمثابة مغامرة مثيرة، فاليوم في حد ذاته مغامرة بصرف النظر عن الأحزان التي تقع فيه. هذا اليوم الجديد فرصة للاقتراب من منابع الصحة الفكرية والجسدية التي تتساوى مع معاني الخلود التي يتخيلها الإنسان”.

Leave a Reply

Your email address will not be published.