الفنان والمخرج محمد بكري يلعب دور شحاذ تركي يحاول إنقاذ عائلة أرمنية

سيرته حكاية منسوجة من خيوط الوطن المتشابكة والملتحمة مع قضايا شعبه وهمومه التي حملها من دون كلل وتداخلت في حياته الشخصية. عانى الفنان والمخرج محمد بكري التحريض المكثف ضده بعد قيامه بإخراج فيلمه”جنين جنين”(عام 2002) ولا زال هذا التحريض مستمرا حتى بعد إغلاق الملف القضائي لصالحه عام 2011 والذي استمر 8 سنوات. فها هو الجيش يحث المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية على تقديم لائحة اتهام بحقه وكان من المتوقع أن يقوم يهودا فينشطاين بإصدار قراره الاثنين 29 أكتوبر/تشرين الأول بهذا الخصوص. عانى بكري على مدار 10 سنوات من تضييق في عمله لكنه أخرج خلالها بعد “جنين جنين “فيلمين وهما فيلم “من يوم مار حت” وفيلم “زهرة” عام 2010 على نفقته الخاصة ومثل في خمسة أفلام وهي: فيلم “برايفيت” عام 2005، فيلم”لارك فارم (مصير نونيك)” (2007) للإخوة تافياني عن مذبحة الأرمن، ومثل في الفيلم الكردي “زهور كركوك” (2010) للمخرج فاريبورز كامكاري، وكان بطل فيلم “عيد ميلاد ليلى” (2008) للمخرج رشيد مشهراوي، وبطل فيلم “الزنديق” (2009) للمخرج ميشيل خليفي وجميعها إنتاجات خارجية. حصدت أفلامه مجموعة كبيرة من الجوائز. حاولنا في المقابلة التالية التطرق إلى قضية ملاحقته والتحريض المستمر ضده كما خضنا في تجربته الإخراجية المميزة وتجربته التمثيلية في السينما العالمية.

قمت بكافة أعمالك بعد عام 2002 خارج البلاد أو أنتجتها من جيبك الخاص. هل موجة التحريض ضدك كانت السبب في ذلك؟

بشكل عام، كانت أعمالي الفنية قبل عام 2002 في إسرائيل قليلة جدا، تحصر في ثلاثة أفلام هامة. ولكن بعد عام 2002، كان هناك مقاطعة إسرائيلية لكل أعمالي وفرض علي الحرمان كعقاب على قيامي بإخراج فيلم “جنين جنين”. لذا، أجد نفسي أبحث عن أعمال خارج الحدود في اوروبا أو ايطاليا واستطعت تنفيذ بعض الأفلام لكنها أيضا قليلة. وأيضاً أعاني هنا من مطاردة وملاحقة إسرائيلية صهيونية في الداخل وخارج البلاد، وهذا الأمر أعاق دخولي للعمل في السينما العالمية. انتهت القضية في المحاكم لكن الملاحقة لم تنتهِ.

هل تجد صعوبة في إيجاد مصادر تمويل لإنتاج أفلامك؟

أفلامي نوعية وليست تجارية. لذا فإنها غير مسوقة ولا توجد شركة انتاج تقوم بهذه المهمة. كما أجد صعوبة في إيجاد مصارد تمويل وإنتاج. كل أفلامي من إنتاج شخصي. نلت دعماً بسيطاً في بعضها من السلطة الوطنية الفلسطينية. كذلك، فإن التحريض والملاحقة عامل يؤثر على امكانية حصولي على تمويل لإنتاج أفلامي.

ما هو شعورك إزاء هذه الملاحقة المستمرة؟ هل يمكنها أن تهزمك؟

أشعر في تعب، قضيت فترة طويلة من عمري مع هذه الملاحقات والمضايقات المنهكة، هذا الأمر يبعث في نفسي الملل أيضا فأنا أواجه كل هذا الأمر وحدي ولا تقف ورائي أي مؤسسة أو أي حزب، ما يدعمني هو قضيتي لكن قضيتي لا تستطيع أن تدافع عني، هذا الأمر منهك ومتعب جدا، لكني لن أستسلم أبدا وسأبقى صامدا حتى نهاية حياتي.

ماذا عن فيلمك زهرة، كيف تبلورت فكرة إنجازه ؟ ولمن توجهه؟

راودتني فكرة الفيلم منذ سنوات طويلة، فكرت بانجاز فيلم يكون بمثابة شكر واعتراف بجميل جيل بفضله بقينا في هذه البلاد، هو الجيل بقي أبناؤه أبان عام 1948 وكانت أعمارهم تتراوح من 15 حتى 22 عاما، قرروا البقاء على الرغم من الظروف القاسية التي واجهوها. رغبت بأن أشكرهم على بقائهم وعلى ولادتي في وطني وحمايتهم لي من أن أتحول إلى لاجئ بأي دولة عربية، فهذا أمر من الصعب مواجهته والتأقلم معه. فأنا لا أحسد إخوتي من الفلسطينيين اللاجئين في الوطن العربي.

كيف أقنعت خالتك بالوقوف أمام الكاميرا؟

خالتي هي بمثابة أم ثانية لي، ترعرعنا في نفس المكان وتحت نفس السقف. علاقتي معها قوية، وزوجها هو عمي، تربطنا مودة عميقة جدا ولم يكن من الصعب إقناعها. في البداية رفضت بتبرير بأنها غير متعلمة ولا تستطيع القراءة، قالت لي: إذهب وتوجه لأشخاص متعلمين. مع الوقت اقتنعت بالفكرة، هي أيضا من جيل لا يعي عمل الكاميرا، بكثير من اللقطات صورتها بدون أن تشعر بذلك.

وصف القيمون على مهرجان القارات في ميلانو سيناريو فيلمك “زهرة” بأنه مكتوب بطريقة مختلفة وكان هذا سببا لحصوله على الجائزة الاولى عام 2010 ، كيف ترى هذا الوصف؟

لا أعلم لأي مدى هذا الأمر صحيح، نحن أمام فيلم وثائقي أعد بطريقة روائية  حيث غلب عليه الطابع القصصي، اختلط في أسلوبي هنا همي الشخصي والهم العام من ناحية، ومن ناحية أخرى هناك كم هائل من الحزن مع كم هائل من الفرح الذي يخلق شعوراً بالحاجة الماسة للسخرية والفكاهة  لسرد الحكاية الدرامية الحزينة.

لم غلب الأسلوب الوثائقي على الأفلام التي قمت بإخراجها؟ أم أن الأمر جاء في محض الصدفة؟

السينما لا تأتي بالصدفة وهي بحاجة إلى تخطيط. في فيلم “جنين جنين”، لم يكتب نص سيناريو، لأن الحدث جاء فجائيا وقراري بالقيام بالعمل جاء فجائيا وغير مخطط له. ذهبت لهناك مع أحاسيسي ومشاعري لأترقب ما سيحدث وعندما أنهيت التصوير جلست مليا للتفكير في كيفية بنائي للفيلم.

هل وجود سيناريو يسهل هذه العملية؟

ليس شرطا، ففيلم “زهرة” الذي كتبت له السيناريو كان أصعب حيث استغرق تصويره سنتين أما فيلم “جنين جنين” استغرق تصويره شهرين، لقد رافقنا حياة خالتي زهرة اليومية وتعايشنا مع تفاصيلها، وكانت هناك صعوبة في اختيار ساعة من 70 ساعة تصوير.

كيف استطعت استغلال وتيسير الواقع وإخراج القصة الحقيقية بعمقها وتفاصيلها في فيلم “جنين جنين”؟

لا أعلم كيف نجحت بهذا؟ لكن كانت تكمن في نفسي حاجة ماسة إلى أن اوصل إحساس أهل المخيم للعالم. رغبت بايصال صرخة الجميع من الطفل حتى الشيخ، حينما غطيت كافة هذه الشرائح والأجيال المختلفة، وضعت كل المواد أمامي، وجدت البداية وهي اللقاء مع مشهد الأخرس الذين يتكلم عما جرى بلغة الصم وأنهيتها بمشهد  الشخص الذي تكلم باستخدام الحذاء مع جورج بوش. هذا الأمر سهل علي بناء الفيلم والوصول به إلى أجواء معينة ومختلفة.

هل شكلت النكبة الفلسطينية هاجسا في أفلامك التي قمت بإخراجها؟

فيلم “1948” هو فيلمي الوحيد الذي استلهمتني به النكبة والذي أعددته بمناسبة مرور 50 عاما على النكبة. حاولت خلاله أن أوثق إحساس أشخاص واجهوا النكبة محاولا فهم ما يواجهونه بعد مرور هذه المدة، لكنها لم تكن هاجسي في أفلامي الأخرى. من المؤكد أنها موجودة في اللاوعي عندي، لكن لكل فيلم قصته وموضوعه وخصوصيته، فيلم “جنين جنين” تحدث عن أحداث اجتياح مخيم جنين، في فيلم “من يوم ما رحت” خاطبت الكاتب “إميل حبيبي”  صديقي وأحد آبائي الروحيين حيث أعددته في السنه التي توفي بها مخاطبا إياه عما جرى معنا  كشعب بعد وفاته. أما في “بعدما راح”، فالنكبة موجودة كهاجس لكنها ليست هي فقط ما يحركني بأفلامي بل أن وجودها في حياتي كحدث داخلي هو أمر يحركني في طبيعة المواضيع التي أقوم باختيارها.

خضت بعد فيلم “جنين جنين” تجارب تمثيل من انتاج عالمي منها “برايفيت” من انتاج ايطالي وفيلم”مصير نونيك” من إخراج الإخوة “تافياني” ، وفيلم كردي، هلا حدثتنا عن خصوصية هذه التجربة؟

فيلم “برايفيت” 2005 مع المخرج الايطالي سافيريو كوستانزو عن قصة حدثت في غزة تتعلق بعائلة فلسطينية مكونة من 7 أشخاص، أب وأم وخمسة أولاد. يقوم جيش الاحتلال الإسرائيلي باحتلال بيتهم ويتم احتجازهم في أحد الغرف ويقوم الجيش باستخدام بيتهم كنقطة إستراتيجية للمراقبة. خلال هذا الاحتجاز تتصاعد الأحداث بين أفراد العائلة فيما بينهم ومع أفراد الجيش الإسرائيلي المحتل. الأمر هو تصوير لما تعيشه هذه المجموعة في ظل الإحتلال. فيلمي الآخر مع الإخوة تافياني عام 2007-2008 ، والذي لعبت فيه دورا رئيسيا، يتحدث عن المجزرة التي ارتكبت بحق الأرمن عام 1914 -1915 خلال الحرب العالمية الاولى، سيناريو الفيلم مقتبس عن كتاب روائي للكاتبة الأرمنية الأصل “أناطوليا أرسلان”، لعبت دور شحاذ تركي يحاول إنقاذ عائلة أرمنية عطفت عليه.

ما هي أعمالك السينمائية الاخراجية القادمة؟

ليس لدي خطة واضحة لكني في مرحلة تخبط أبحث فيها عن السيناريو القادم، وأغلب الظن أن يكون روائيا.

هبة زعبي

www.euromedaudiovisuel.net

Leave a Reply

Your email address will not be published.