وقائع مأدبة الغذاء التي أقامها رئيس مجلس النواب اللبناني على شرف رئيس جمهورية ارمينيا سيرج سركيسيان

أقام رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، مأدبة غداء تكريما لرئيس جمهورية ارمينيا سيرج سركيسيان، حضرها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وحشد من النواب والوزراء والسفراء والقيادات الامنية والعسكرية ورؤساء الهيئات القضائية والادارية والنقابية.

وكان قد أقيم للرئيس الارميني الضيف استقبال رسمي حيث فرش له السجاد الاحمر، واستقبله الرئيس بري أمام قصر عين التينة، وأدت له سرية من موسيقى الامن الداخلي التحية، وعزفت النشيدين الوطنيين الارميني واللبناني، ثم عرضا سرية من التشريفات في شرطة مجلس النواب.

واجتمع الرئيس بري مع الرئيس الارميني في حضور وزيري خارجية البلدين والسفير الارميني في لبنان والمستشار الاعلامي علي حمدان، ثم انضم لاحقا الى الاجتماع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي. وتناول الحديث الاوضاع في المنطقة والعلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها.

ثم انتقل المجتمعون الى مائدة الغداء الحاشدة التي حضرها رئيس “تكتل التغيير والاصلاح” النائب العماد ميشال عون ونائب رئيس الحكومة سمير مقبل وعميد السلك الديبلوماسي السفير البابوي غبريالي كاتشا يتقدم حشدا من السفراء واعضاء السلك الديبلوماسي العرب والاجانب المعتمدين في لبنان.

وحضر المأدبة الوزراء: عدنان منصور، فايز غصن، علي حسن خليل، نقولا فتوش، علاء ترو، سليم جريصاتي، مروان خير الدين، وائل ابو فاعور، غابي ليون، ناظم خوري، وليد الدعوق، فيصل كرامي، محمد فنيش، علي قانصو، حسان دياب، بانوس مانوجيان، وفريج صابونجيان.

وشارك أيضا النواب: محمد رعد، اغوب بقرادونيان، جيلبرت زوين، ميشال حلو، زياد اسود، ميشال موسى، حكمت ديب، فادي الاعور، ايوب حميد، غازي زعيتر، عاصم عراجي، نهاد المشنوق، محمد قباني، سيرج طورسركيسيان، ستريدا جعجع، طوني ابو خاطر، هنري حلو، انطوان سعد، عاصم قانصوه، نضال طعمة، ايلي عون، ارتيور نظريان، سيبوه كالبكيان، تمام سلام، اسعد حردان، غسان مخيبر، خالد زهرمان، ايلي ماروني، شانت جنجنيان، علي عمار، علي مقداد، قاسم هاشم، علي بزي، عباس هاشم، مروان فارس، نبيل دوفريج، نوار الساحلي، حسن فضل الله، علي خريس، بلال فرحات، الوليد سكرية، عبد المجيد صالح، علي عسيران، عبد اللطيف الزين، عاطف مجدلاني، ياسين جابر، محمد الحجار، باسم الشاب، وخضر حبيب.

كذلك شارك قائد الجيش العماد جان قهوجي والمدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي، ورؤساء الاحزاب الارمنية في اللبنانية ونقيبا الصحافة والمحررين محمد بعلبكي والياس عون والامين العام للمجلس الاعلى السوري-اللبناني نصري خوري وعدد من رؤساء الهيئات القضائية والادارية والنقابية وعدد من الوزراء والنواب السابقين.
وفي مستهل المأدبة، ألقى بري كلمة قال فيها: “يسرني باسمي وباسم مجلس النواب اللبناني، أن أرحب أشد ترحيب بفخامة الرئيس سيرج ساركيسيان رئيس جمهورية ارمينيا والوفد المرافق في هذا المقر، وكنت أتمنى أن يوجه كلمته الى الشعب اللبناني من على منصة البرلمان، ولكن مناسبة كريمة للبنان في الفاتيكان جعلت المقر هو الممر.

إننا اليوم نستقبل رمزا ممثلا لدولة صديقة ولشعب صديق، تربطنا معه أفضل العلاقات الانسانية والاخلاقية والتاريخية، التي ارتكزت على العلاقات الكفاحية المشتركة خلال نضال شعوبنا ضد الاحتلال والانتداب، وفي مراحل النضال من أجل الاستقلال الوطني.

إن لبنان شكل على الدوام وطنا ثانيا للارمن الذين أظهروا له محبة ثابتة ووفاء منقطع النظير، حيث انحازت ارمينيا دائما الى جانب مقاومة لبنان في مواجهة العدوانية الاسرائيلية ودعمت بلدنا ولا تزال في سعيه لاستكمال تحرير أرضه التي تحتلها اسرائيل، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية وفي طليعتها استكمال تنفيذ القرار 425، وتنفيذ القرار 1701 الذي صدر في اعقاب الحرب الاسرائيلية على بلدنا عام 2006″.

وأضاف: “إن بين لبنان وارمينيا الكثير من الجوامع المشتركة كما قلت في كلمتي على منبر مجلس النواب الارمني عامي 1997 و2011، أبرزها حب شعبينا للارض والوطن، والانتشار المتماثل للبنانيين والارمن في كل أصقاع الأرض، وتشكيلهما امبراطورية بشرية انسانية لا تغيب عنها الشمس، صدرت الحرف والمهارات والحرف للعالم”.
وأكد “أن هذا الانتشار لم يكن فقط وليد الرغبة في الهجرة والطموح، وإنما كذلك تسببت به الوقائع الشرق أوسطية التي ضغطت على شعوب المنطقة، وفي الطليعة على شعبينا والشعب الفلسطيني، الذي يقع تحت ضغط العدوانية الاسرائيلية على منظار عمليات القنص الجوي وحفلات الاعدام الجماعية، وخصوصا للاطفال كما في الحرب الاخيرة على غزة الصامدة البطلة التي انتصرت فيها العين على المخرز والدمعة على الفأس، وكذلك الشعب الفلسطيني الذي يعاني أقسى ممارسات الاحتلال من اعتقال وتنكيل ومصادرة واستيطان وتهويد، ويقف على رصيف العالم منتظرا الاقامة والاعتراف الدولي ولو بدولة غير كاملة العضوية، فهل ترانا نشهد بعد يومين صحوة للضمير الدولي على اسم فلسطيني وعنوانه؟”.
وتابع: “إن طموحات شعبينا لبناء أفضل العلاقات جسدها مجلس النواب اللبناني ونظيره الارمني، بتبادل اللقاءات والزيارات وتوقيع اتفاقية لتطوير التعاون البرلماني وتبادل الخبرات، اضافة الى التنسيق المستمر للمواقف في المحافل البرلمانية الدولية والآسيوية، بما يخدم مصلحة شعبينا، وكذلك بما يعبر عن موقفنا المنحاز الى العدالة والسلام وحقوق الشعوب”.

وقال: “لقد أجاز مجلس النواب خلال السنوات الاخيرة للحكومة إبرام تسع اتفاقيات مع بلدكم الصديق في مجال الخدمات الجوية وتنشيط الاستثمارات وحمايتها، والتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتعليم العالي والثانوي والعلوم والثقافة، وتفادي الازدواج الضريبي والتعاون في مجال الصحة. إلا أننا في مجلس النواب، إذ نرى أن هذه الاتفاقيات غير كافية ويجب أن تشمل مجالات أخرى، فإن ما يستدعي انتباهنا هو هشاشة ناتج التعاملات التي تقدمها لغة الارقام، لذلك، فإنني لمناسبة زيارتكم التاريخية لبلدنا، أستدعي همة رجال الاعمال اللبنانيين والارمن على مساحة العالم، من أجل النهوض بالاستثمارات في بلدينا بما يؤدي الى رفع مستوى التبادل والعمليات التجارية”.

وأشار الى “أن العلاقات بين بلدينا يجب أن تكون نموذجا متطورا لعلاقات الصداقة بين الشعوب والدول. ونأمل أن نلبي طموحات شعبينا لبناء أفضل الديموقراطيات المصنوعة وطنيا، والتي تخدم الدستور وتلتزم القوانين وتمنع الاساءة اليها او التعسف في استخدامها”.

ولاحظ “أن الوقائع الاقليمية اليوم تتشابه مع أحداث ووقائع جعلت أوطاننا وشعوبنا رهائن في أعقاب الحربين الكونيتين الاولى والثانية. وإن نظرة عميقة الى صورة مشهد كل الاقطار الموجودة على خريطة الشرق الاوسط الكبير في هذه اللحظة السياسية، تبين أننا جميعا نقع على منظار أسلحة الفوضى البناءة لتحالف الراغبين في إخضاع منطقتنا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، والسيطرة على مواردها البشرية والطبيعية”.
ولفت الى “أن كل هذه المنطقة مهددة بالتشظي والانقسامات بصورة “ميكرو جغرافية”، لما خلفته أساسا الخطوط الزرقاء والحمراء لسايكس بيكو. إن هناك حقنا يوميا وتمويلا وتسليحا وإثارة لكل عوامل الفتن والمخاوف والهواجس والمشكلات النائمة، التي لن تترك شيئا إلا ينقسم على اثنين أو أكثر، حتى الانسان الواحد.
إن هذه المنطقة العزيزة التي هي متحف للحضارات وموئل الديانات السماوية وكتاب للتاريخ، تعيش واقع انفجارات عرقية وطائفية ومذهبية وفئوية وجهوية، وتقع تحت ضغط ظل الصراع عليها. وإن القيادات في منطقتنا التي خبرت وعاشت وتعلمت من تجارب الماضي ولديها ثقافة تأسست على خلفية المعاناة والتضحيات الكبيرة التي قدمتها شعوبنا وفي الطليعة انتم يا فخامة الرئيس، مطالبون بإتخاذ المبادرات التي من شأنها الدفع قدما نحو حوارات مفتوحة داخل اقطار المنطقة، لصنع تفاهمات سياسية بين الأفرقاء فيها على صيغ المشاركة في اعادة انتاج الدولة ومؤسساتها، خصوصا مع التهديدات بعبور الازمات لحدود أغلب الدول وادخالها في دوامة من العنف وحفلات الاعدام الدموية عبر السلاح مقابل السلاح، وصولا الى تبديد إمكاناتها”.

وختم: “لقد أثبتت تجربة الحرب الاهلية اللبنانية التي نريدها أن تذكر كتجربة ولا تعاد، أنه لا يمكن إقصاء أحد أو تهميشه أو شطبه، وان الحل هو الاتفاق والتوافق عبر الحوار. ولأنه لا بديل من صيغة الحوار، ندعو لبنانيا بوجود هذا الضيف العزيز، هذا الضيف الشريك عبر الطائفة الارمنية الكريمة، الى اتفاق الطائف والى طاولة حوار تضع نصب عينيها ان السلاح هو فقط للدفاع عن الوطن، وان من كانت اسرائيل عدوه فهي عدو كاف، والى صياغة تفاهم حول المواضيع المتنوعة والمصدرة للخلافات ودون انتظار لمصير سوريا الذي لن يتقرر بالانتحار على النحو الجاري بل بالحوار.
لقد أطلت عليكم، لكن القضايا الضاغطة على أقطارنا تتزاحم وتدفع بالكلمات”.

ثم ألقى سركيسيان كلمة قال فيها: “أنا مسرور لظهور الإمكانية لدي اليوم ثانية لزيارة لبنان الصديق، ذلك البلد الذي يتسم بالأهمية كوطن ثان لعدد كبير من الأرمن. أنتهز الفرصة وأعرب عن الامتنان الكبير لرئيس مجلس النواب في الجمهورية اللبنانية وصديقي المحترم نبيه بري لهذه الدعوة والإستقبال الحار، وكذلك للامكانية للحديث معكم عن رغباتنا في مجال التعاون الأرمني اللبناني، ووجهات نظر ارمينيا حول بعض المسائل الدولية.

إن العلاقات الأرمنية اللبنانية ليست محض علاقات شراكة، بل علاقات صداقة، لأن أرمينيا ولبنان مرتبطتان في ما بينهما بصلات صداقة عريقة وصلات تاريخية ثقافية متينة. إن أرمينيا ولبنان قد بدأتا منذ العهد القديم سيرهما المشترك عبر التاريخ. وقد تمازجت في كثير من الأحيان طرق شعبينا وتاريخهما ومصيرهما وثقافتهما. وقد أكد التاريخ ورغب المصير ذلك، أما الثقافة فقد نسقت كل ذلك، والنتيجة هي الصداقة العميقة الأرمينية-اللبنانية”.

وأضاف: “نحن سنتذكر بالشكر دائما الدعم الذي قدمه الشعب اللبناني لجزء كبير من شعبنا الذي كان يعيش ويبدع على أرضه، وتعرض للابادة العرقية وحرم الوطن نتيجة الجريمة المنظمة على مستوى الدولة في تركيا العثمانية. إن لبنان المضياف وذا النية الحسنة والمتسامح، أصبح إحدى تلك المناطق حيث وجد بقايا الأرمن الخلاص والمكان الآمن، وعززوا مواقعهم ووقفوا على أرجلهم بالمشاركة والتكامل بنشاط في الحياة السياسية والإجتماعية الإقتصادية والثقافية للبنان، وفي الوقت نفسه تمكنوا من المحافظة على ثقافتهم وقيمهم القومية الغنية”.

وأعرب عن شكره “لرئيس برلمان لبنان نبيه بري ونواب البرلمان لذلك الموقف، خلافا للكثير من دول المنطقة، حيث قام لبنان بخطوات جدية على طريق الاعتراف بالمجزرة الأرمنية، واتخذ قرارات تندد بالمجزرة، وحظي بذلك باحترام الأرمن وودهم جميعا.
إن سلطات ارمينيا منذ الأيام الأولى للاستقلال، أعارت الإهتمام الكبير لتطوير نطاق التعاون مع العالم العربي وتوسيعه. وقد تم افتتاح أولى سفاراتنا في البلدان العربية. وللأسباب المذكورة، فإن لبنان في العالم العربي بالنسبة الى أرمينيا والأرمن، يحتل مكانا فريدا. نحن ننظر الى لبنان كصديق عزيز وشريك موثوق به بالنسبة الى أرمينيا والشعب الأرمني”.

وتابع: “يصادف في العام الجاري مرور 20 عاما على إقامة العلاقات الديبلوماسية بين أرمينيا ولبنان. وخلال زيارتي، ظهرت لدي الإمكانيات للحديث عن الحوار السياسي الثنائي والتعاون الإقتصادي والمستوى العالي للصلات البشرية بين بلدينا. وأود هنا أن أتحدث عن تطوير الصلات البرلمانية بين أرمينيا ولبنان، والتي أصبحت أولى الصلات بين البلدين، وقد تم تعزيزها بواسطة الإتفاقية التي تم توقيعها عام 1993. وأعتقد أننا في هذا المجال، مدينون لكم دولة الرئيس بري، بأنكم خلال العقدين الأخيرين كنتم دائما في الخطوط الأولى للتعاون الأرمني-اللبناني والاخوة بين الجانبين. إن التعاون البرلماني الأرمني اللبناني اليوم أيضا يتسم بالطابع الدينامي”.

ورأى أنه “في أيامنا، من المستحيل تقريبا التصدي بصورة مثمرة للتحديات على انفراد، بدون مساعدة الأصدقاء. إن الطابع المتبدل للتحديات وانتشارها الجغرافي، جعل التعاون بين الدول ضرورة زمنية. ويحدد سبيلنا الى تلك القناعة أننا جميعا مسؤولون عن إقامة السلام والرفاه في عالمنا، بفهمنا بصورة جيدة التحديات المعاصرة وطابعها الواسع. وإن جمهورية ارمينيا قد اختارت سبيل التعاون ذي المنفعة المتبادلة مع جميع الدول على أساس مبدأ حسن الجوار”.
وأسف “لأن جنوب القوقاز والشرق الأوسط ما زالا من المناطق المهددة بالإنفجار والخلافات والنزاعات العميقة. إن أرمينيا قلقة من الاحداث في الشرق الأوسط، وإنها تتسم بالأولوية بالنسبة إلينا، وأصبحت مسألة في جدول أعمال السياسة الخارجية لجمهورية ارمينيا. ان العالم العربي قد دخل مرحلة انتقالية معقدة، وتخطيها يحتاج الى الصبر الواسع والصمود والثقة. إن موجة الحركات الشعبية التي بدأت، والتي يا للأسف لا تجري بدون فقدان الدماء، مرتبطة بعوامل عميقة كثيرة، لها أسباب موضوعية وغير موضوعية. إن تلك العوامل لها طابع اجتماعي اقتصادي وسياسي. وإذا شملنا الأمور بجملة واحدة، ففي أساس هذه العمليات توجد المطالب المتزايدة لدى السكان بضرورة إجراء التغييرات على بنيات الدولة وتحسينها وجعلها عصرية، وفي بعض الأحوال استعداد السلطات للاصلاحات المماثلة. ونتيجة لذلك، ظهرت بعض البلدان أمام تحديات مثل اختيار نظم الإدارة والتغييرات الدستورية وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية والقيام بإصلاحات ديموقراطية وغيرها. ولكن التحدي الأول هو إقامة السلام والإستقرار ووقف عمليات العنف”.

وقال: “نحن قلقون جدا على مصير شعب سوريا. إن الصدامات المسلحة المستمرة والعمليات الإرهابية غير مقبولة إطلاقا. ليس من الممكن بدون ألم، تتبع مدى سفك الدماء وكيف يتم تدمير ذلك البلد من يوم الى أخر. أنا واثق بأن الوضع الناشئ هو نتيجة قيام بعض دول المنطقة بالتهرب من حل مسائلها على حساب دماء الشعب السوري. ان ارمينيا قد دعت دائما الى وقف سفك الدماء، ودعت السوريين بالذات الى العمل لتسوية الأزمة بالطرق السلمية”. وأشار الى أن “مع الشعب السوري الشقيق، يعيش آلاف الأرمن السوريين أيضا فترة صعبة. ان موقف ارمينيا من هذه المسألة واضح، هذا اختبار يجب التصدي له معا. ونحن ندعو أشقاءنا الأرمن السوريين النضال في سبيل إعادة السلام بأسرع ما يمكن الى سوريا، التي استقبلتهم بصورة مضيافة وأصبحت الوطن الثاني لهم. ان الجالية الأرمنية في سوريا هي من الجاليات التي نشأت تاريخيا، قوية وحيوية، ونفتخر بها فعلا. وأنا واثق بأن جميع الأرمن يدعمون وسيدعمون رغبة الشعب السوري لإيجاد السلام في وطنهم والمحافظة على بيوتهم”.

وأكد “أن جميع شعوب العالم لها الحق في العيش حياة هنيئة ومشرفة. اليوم، الكثير من الشعوب تناضل في سبيل تلك القيم التي تعززت في لبنان منذ زمن طويل. إن ذلك السبيل كان صعبا بالنسبة اليكم ايضا، ولكن بالنتيجة تمكنتم من التحول الى المناضل الأول في سبيل الديموقراطية، أما في أسس تطور بلادكم، ومنذ اليوم الأول، فقد تم وضع الحريات السياسية والمدنية ومبادىء تعدد الرأي والمساواة. ان ذلك السبيل كان صعبا لأن محيط لبنان لم يكن مستعدا لذلك، ولذا دفع لبنان غاليا. هذا هو الواقع، ونحن الأرمن ايضا نعرفه ويا للأسف”.

وذكر بأن لبنان اليوم يتأثر بالتطورات غير المناسبة الجارية في المنطقة. وقد أثار لدينا الأسف الكبير العمل الإرهابي الذي وقع في بيروت في 19 تشرين الثاني، ونحن نندد بذلك. وبإعرابنا عن تعازينا لأهالي الضحايا، نعرب عن أملنا في أن ذلك الاستفزاز المشين لن يتمكن من زعزعة السلام في لبنان. نحن واثقون بأن الحكمة الجماعية للفئة السياسية العليا في البلاد والخطوات العملية التي يتم القيام بها والرامية الى الحوار الثنائي وإقامة جو الثقة المتبادلة، لن تسمح بأن يتعرض لبنان لهزات جدية. أنا واثق بصورة تامة بأن الجالية الأرمنية في لبنان، التي لقيت الإستقبال الحار في الماضي من قبلكم، ستكون دائما الى جانبكم، وإن سلطات ارمينيا أيضا مستعدة لدورها، وبحسب إمكاناتها، أن تقف سندا للبنان والأرمن اللبنانيين لحل المسائل القائمة أمامكم”. وأسف “لأن منطقتنا ايضا تعرف ويلات الحرب، ونعلم ماذا تعني الحرب المفروضة والتربة الخصبة التي تم خلقها لبذر الحقد. مؤخرا مثلا، ان سكان غاراباغ الجبلية اضطروا الى التصدي للحرب التي فرضتها عليهم اذربيجان، ردا على الطلب السلمي لتنفيذ حق الشعوب في تقرير مصيرها وحقوقه الأساسية والشرعية، وتمكنوا من اجتياز تلك الحرب. وبين خيار مغادرة الوطن أو الدفاع عن الذات، اختار الشعب البطل في غاراباغ الخيار الثاني والصعب. وبواسطة الحرمانات الكثيرة والتضحية بالدماء، تمكن من الدفاع عن حقه بالعيش في وطنه بحرية. إن أذربيجان لا تدخر جهدا الآن لعرض فحوى المسألة بصورة محرفة، وتنشر في كل البنيات المعلومات غير الصحيحة بهدف تضليل كل البلدان. إن اذربيجان في كل الساحات تحاول عرض المسألة على أنها مسألة دينية، ولكن ذلك لا يمكن أن يكون له أي صلة مع الحقيقة. إن العلاقات الحارة لأرمينيا مع الكثير من البلدان الإسلامية، تشهد على أننا منفتحون على الحوار الثنائي بين كل الأديان والحضارات. ولكن يثير الأسف نجاح اذربيجان نوعا ما في استغلال عامل التضامن الإسلامي لتشكيل مواقف غير صحيحة حول مسألة غاراباغ”.

وأضاف: “أنتهز الفرصة، وأود مرة أخرى أن أعرب عن شكري العميق لموقف لبنان المتزن في مسألة غاراباغ، وبصورة عامة للدعم الذي يقدمه لنا في إطار المنظمات الدولية. إن موقفكم المتزن هو إسهام لمصلحة الإستقرار في منطقتنا. واليوم، رغم وجود نظام وقف إطلاق النار، تواصل أذربيجان إطلاق النيران، ليس على غاراباغ فقط، بل في اتجاه حدود أرمينيا أيضا، وقد ذهب ضحيتها الشباب الأبرياء. وردا على جميع الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي لتسوية المسألة بالطرق السلمية، تواصل أذربيجان دعايتها ذات النزعة العسكرية، وتكدس الأسلحة بشكل لم يسبق له مثيل. وأذكر رقما واحدا فقط، بحسب مختلف المصادر، فإن قيمة الأسلحة التي اشترتها من إسرائيل تزيد على 1,5 مليار دولار، وليس من قبيل الصدف على الإطلاق أن أذربيجان لا تستجيب لاقتراحات الوسطاء في مجال اتخاذ اجراءات الثقة، مثلا إبعاد القناصة عن خط التماس ووضع آليات للتحقيق في الحوادث. إضافة الى ذلك، إن سلطات أذربيجان تواصل بنشاط نشر الحقد والعداوة تجاه الأرمن لدى شعبها. وإلا فكيف يمكن وصف بيانات رئيس أذربيجان، الذي قال إن الأرمن في العالم هم العدو الرقم واحد بالنسبة الى أذربيجان؟ ومن هذا المنبر العالي، أعلن بكل مسؤولية أن ليس هناك شعب يمكن أرمينيا والشعب الأرمني وصفه بالعدو. وهذا طبيعي لعدم وجود الشيء المماثل. إن عدونا هو حقد الآخرين، الذي يتم حقنه في البلد المجاور لنا في نفوس جيلهم الشاب. ان عدونا هو التطرف وعدم التسامح، وأحلام البعض بإزالة ارمينيا وغاراباغ من خريطة العالم، وتفريغهما من الأرمن مثلما فعلوا في ناخيجيفان ذات الحكم الذاتي في إطار أذربيجان”.
واعتبر أنه “نتيجة هذه السياسة القصيرة النظر، ان الشعب الأذري لن يكون مستعدا على الإطلاق للتعايش السلمي، حتى ان تم تحقيق النجاح للتوصل الى الإتفاق لحل المسألة. وفي نهاية الأمر، لا أرمينيا ولا أذربيجان مستعدتان للابتعاد من هذه المنطقة، لذا فإن آفاق السلام والرفاه في جنوب القوقاز ليست في الإختيار، بل هي أمر ضروري. إن تركيا وأذربيجان، لأعوام طويلة، وبتعاملهما معا، تواصلان الحصار الذي تفرضانه على ارمينيا بصورة غير شرعية، ورغم ان ذلك الحصار قد ألحق الخسارة بتطور بلادنا وازدهارها، ولكن لم يتمكن من عرقلة سيره نحو الأمام. أعتقد أنه حان الوقت لكي تلقي الدول المجاورة لنا نظرة واقعية على الأحداث الجارية في المنطقة، وان تعيد تقويم مدى كون خطواتها مثمرة، وفي هذه الحالة قد يظهر الأمل للعيش بتفاهم وسلام لدى الشعوب المعذبة كثيرا”.
وختم: “باستعادة استقلالنا قبل 21 عاما، فتحت صفحة جديدة لتاريخ الأرمن. إختارت ارمينيا سبيل التطور الديموقراطي، وهي مخلصة لذلك النهج حتى اليوم. وبتخطي العديد من المصاعب الموضوعية والإصطناعية، لدينا اليوم دولة ارمنية ثابتة، واستقرار سياسي وجيش قوي واقتصاد مفتوح وعملي، ونظام مالي قوي وبنيات اجتماعية ثابتة ومواطنون يعرفون عن حقوقهم. إن أحد الأهداف السامية لسلطات ارمينيا هو أن نتمكن من نقل قيم الى الأجيال القادمة الرامية الى مواصلة الكيان الآمن والمتضامن والمستقبل الآمن. ولكن يتم تسطير مستقبل مماثل مع الأصدقاء فقط. أنا واثق بأن ارمينيا ولبنان ستمران عبر طريق القرون معا.

اسمحوا لي أن أعرب عن الشكر لكم للصبر، وأتمنى للجمهورية اللبنانية الإسقرار والرفاه، أما لشعب لبنان الأخوي فالسلام الثابت وإنجازات جديدة”.

الوطنية

Leave a Reply

Your email address will not be published.