بيوت الأرمن في البصرة

مقهى الدَكَّة في البصرة:..فضاء ثقافي ..وزمن سبعيني

“مَنْ يؤرخ المرحلة ؟
بأي سواد سيبدأ
وأيّ سوادٍ سينتهي ؟
بأيّة عينين سيحدّق
وقد صبغهما الخوف؟
من أيّ جدارٍ سيطلّ
وقد ترصّده الموت” هجاء الحجر/عبد الكريم كاصد
بعد عودة عبد الكريم كاصد من الجزائر كان دائم الجلوس في المقهى ، قبيل الظهر عند عودته من عمله في التدريس ، أو على (دَكَّتها) مساءً ،وهو يتأبط بعض الكتب باللغة الفرنسية ، ويقرأ لنا منها بعض ما فيها كونه قد عاد من إيفاده مدرساً للغة العربية في الجزائر ومنها أقام في فرنسا وأتقن القراءة باللغة الفرنسية ، ونشر تراجم في صحف الجمهورية والفكر الجديد وطريق الشعب ومجلة الأديب  العراقي عنها . وفي المقهى ولدتْ فكرة إصدار مجموعته (الحقائب) بطبعتها الأولى ،التي صدرت عن دار العودة/بيروت/عام 1975/، وقد حملها إلى دار العودة الصديق الروائي إسماعيل فهد إسماعيل، وبخط الفنان التشكيلي والشاعر هاشم تايه والذي كتبها بخطه الجميل ،الأنيق المتقن ، في ليلة واحدة فقط . ولم يستلم كريم منها غير نسخ قليلة جداً ، بسبب بداية نشوب الحرب الأهلية في لبنان ، ولم تكن طباعتها ملائمة. فقرر أن يطبعها ثانية و صدرت عن دار الأديب/ بغداد/عام 1977، وصمم غلافها الفنان “محمد سعيد الصكار” وخطوطها الداخلية للفنان خالد النائب، وعند اكتمال طبعها ذهب كريم لاستلامها ، فواجهته مشكلة التوزيع واتصل بالدار الوطنية للتوزيع والإعلان في بغداد للاتفاق معهم حول ذلك لقاء عمولة يتم تحصيلها من قبلهم ، لكن مديرها العام رفض توزيعها بحجة أن الدار رسمية وغير معنية بما يطبع من قبل الكّتاب أنفسهم،بينما كانت معارض الدار تحتوي على كتب ومنشورات كثيرة لدور نشر عربية ، وثمة الكثير منها معروضة في معرضها وصادرة على نفقة أصحابها الشخصية. ترك كريم (50) نسخة من(الحقائب)،هدية منه، إلى مكتبة “دار الرواد” الواقعة في الباب الشرقي. بعد شهرين قصدتُ بغداد لأمور خاصة. ذهبت إلى مكتبة(دار الرواد) ، واقتنيت بعض الكتب المتوفرة فيها. وعندما شاهدت  (الحقائب ) معروضة ، رغبت في معرفة مدى رواجها فاستفسرت برجاء وتهذيب من موظفتها عن ذلك ، ففاجأتني بسؤالها:
-ما علاقتك بها.. وهل أنت الشاعر!؟.
وعندما أخبرتها باني صديقه ، وقادم من البصرة ، لأمور خاصة ، و يهمني ذلك . ردت عليَّ باللهجة العامية:
-يعني شنو.. حَضّْرتكّْ دَلالْ كتب.. وتسّأل هذا السؤال!؟.
دُهشت حقاً لهذا الجواب غير المناسب تماماً ، من سيدة أولاً ، و تعمل في مكتبة معروفة الجهة التي تمتلكها أو التي أسستها ثانياً. فغادرت دون أن اجب عليها حتى بكلمة واحدة ، ولم أذهب بعد ذلك خلال زيارتي المتكررة إلى بغداد ، نهائياً، إلى مكتبة (دار الرواد).
2  كنا ، كريم ومهدي محمد علي وأنا، على موعد مسبق مع الفنان (فيصل لعيبي)، الذي قَدم إلى البصرة ، و جلسنا  صباحاً معه ، وهو (بلحيته الكثة) في المقهى، ثم ذهب كريم لتبضع ما يجعل الجلسة هانئة ورائقة، وعند عودته، انتقلنا سريعاً إلى منزله المؤجر، بمنطقة (نظران) في البصرة القديمة ، والذي “يتساقط  من سقفه  الحصى” أحياناً. بعد نهار قضيناه معاً،  وامتد حتى ما بعد المساء، تخلله قراءات شعرية لكريم من مجموعته الشعرية الثانية (النقر على أبواب الطفولة) والمعدة للطبع. أبدى فيصل رغبته في تصميم غلافها وأن يضع لصفحاتها الداخلية بعض التخطيطات. سَلمَ (كريم)،مساءً، المخطوطة لـ(فيصل) الذي وعد أن ينهي كل شيء في البصرة، قبل سفره إلى بغداد، لغرض عودته لمواصلة دراسته في فرنسا ، وهذا ما حدث فعلاً. وقد تكفل صديقنا الراحل الشاعر (عزيز السماوي)، شبه المقيم في بيت (كريم)، والذي كان مُنسباً للعمل في مديرية طرق البصرة،بمتابعة إجازة (النقر..) من قبل (هيئة رقابة المطبوعات) ،وحينما ذهب مجازاً إلى سكنه في بغداد، حمل المخطوطة معه. بعد أكثر من أسبوعين ، هاتفني (السماوي) في مقر عملي عصراً، لأخبر (كريم) أنهم وافقوا على إجازتها، بعد أن تُحذف منها قصيدة (عبر بيوت الأرمن) كاملةً:
“أفرحُ حين أزورُ المستشفى وأجوز بيوتَ الأرمن
دون سياجٍ أو سورٍ تتفتّحْ
عن أزهار الطرقاتْ
أتطلّع مبهورا يصدمُني حبلُ غسيلْ
أو كلبٌ ينبحْ
فألوذ بأذيال النسوة حتّى طرفِ الجسر
محفوفاً بالفتيات
أتلفّتُ صوبَ النهر
وأجوز الردهةَ

أحلمُ مخطوفاً ببيوت الأرمن”.
بيوت الأرمن طينية وواطئة وقد ابتناها فقراء الأرمن، عشوائياً، واتخذوها سكناً لهم ، وكانت تقع خلف مستشفى البصرة العام ، وتعاقدوا مع إدارته على قيامهم بغسل شراشف المرضى الوسخة والملوثة والتي تنبعث رائحة  المرض أو حتى الموت منها ، وعند مرورنا مشياً ، عبر تلك البيوت، نشاهد ونتلمس تلك الشراشف ، التي يجهد فقراء الأرمن والأرمينيات إلى إعادتها بيضاء لامعة بكفوفهم و كفوفهن ، و تتلاعب الريح بها وسط أزقة حي الأرمن، معلقة على الحبال، كي تعقمها وتجففها الشمس البصرية الحادة. و ” البيوت التي يسكنها الأرمن..نظيفة..لامعة تحرسها الشجيرات، والكلاب المخيفة ، والفتيات الواقفات في الطرقات المتعرّجة ، حيث الجسر الخشبيّ الصغير الذي نجتازه إلى المستشفى متجنّين العبور من الباب الرئيسيّ لزيارة مرضانا العديدين في كلّ الأوقات”./ أحوال ومقامات – عبد الكريم كاصد ص15/. وكذلك حذف(ثلاثة خراف سود ترعى) والوارد في أحدى القصائد ، مع حذف مقاطع كاملة أخرى من بعض القصائد دون تبيان الأسباب من قبل الرقيب !؟. وانه – السماوي- تسلم المخطوطة مع ملاحظات الرقابة عليها ، و ينتظر موافقة (كريم) من عدمها لغرض طبعها. أخبرت كريم بذلك ، تردد أول الأمر، في موافقته على طبعها، لكن مع إلحاحنا عليه ، مهدي وأنا ، ليلاً في مسكنه، قرر السفر إلى بغداد لتسوية الأمر بنفسه مع (هيئة رقابة المطبوعات). وتم طبعها في مطبعة شفيق – بغداد ، وصدرت نهاية عام 1978، وواجهت مصيراً محزناً، إذ تركها (كريم) متناثرة لدى عدد من باعة الكتب والصحف، وبعض الأصدقاء، ومعروضة ًفي واجهات بعض مكتبات البصرة، التي سريعاً ما حجبتها عن العرض!!. ثم غادر سراً المدينة إلى بغداد أولاً وتبعه بعد ذلك مهدي محمد علي.
3  خلال ذروة الملاحقات التي طالت الناس جميعاً ، في العمل والسكن والدراسة والمقاهي والحانات والشوارع العامة ، وحتى (باصات) مصلحة نقل الركاب الحكومية، لغرض التوقيع ،بالإكراه، على قرار” مجلس قيادة الثورة” رقم (200 )، الذي يقضي بعدم الانتماء إلى إي حزب غير حزب(البعث) ومنظماته فقط، والمخالف يحكم بالإعدام شنقاً حتى الموت،  طال هذا الأمر بعض رواد المقهى، ممن اختفت آثارهم إلى الأبد. خلت المدينة منا، وتحولنا إلى ما يشبه الأشباح،عند سيرنا في الشوارع العامة للضرورة. اخترق فضاء المدينة، صوت رجل الأمن (( ف . ع))، وأجهل جداً: كيفَ يمكن لرجل امن أن يحمل صفة (( شاعر))؟!،  بهستيريا لا حد لها وبات  يتردد صداه في الساحات العامة  وفي مقدمتها(أم البروم)، والشوارع الفرعية، والمقرات الحزبية و النقابات العمالية والاتحادات المهنية والرياضية وأسطح المدارس و الدوائر الحكومية  ، والمحلات السكنية ،وهو يجأر عبر مكبرات الصوت التي باتت تطاردنا، أينما حللنا، نهاراً وليلاً، وبأقصى صوت ممكن عبر كلمات سوقية مبتذلة، وبلهجة عامية قبيحة فجة:
“لو لينين..
هَمْ وَقّعْ..
على المِيتَيَنْ”.
***                           
4 “يوماً ما
سأغادر هذا الشارع
أو أهجر هذا المقهى
يوماً ما
سيبارحني الصحب ” محمد علي الخفاجي
أقفرت (المقهى) و (دَّكَّتها)، ولم نعد، ،وما أكثرنا حينها، نتردد عليها ونتحاور طويلاً فيها، وبدت النهارات والليالي والأيام ، وحتى اللحظات العابرة ، موحشة ومحزنة، والروح هامدة وخاوية ،”كم تبدو تلك الأيام السابقة ، كحلمٍ لَمع في سماء الحياة ، ثم انطفأ لمعانه.. لقد نال الزمانُ (منا)، وأطبق (علينا) الهمُّ والقلقُ”- عزازيل / يوسف زيدان- خاصة بعد أن تشرد في كل مكان من هذا العالم، أصدقاء الضمير والأحلام الإنسانية البسيطة والأفكار المشروعة العظيمة ، سمار الليل والنهار والماضي، الذي قسم منه يمتد منذ الطفولة والصِبا والشباب، و تلقفت غرف التعذيب  والمعتقلات والمشانق بعضهم. بالنسبة إلى عدد كبير من المثقفين والكتاب والأدباء غير البعثيين، ومن رواد المقهى و (دَكَّتها) ، ممن لم يغادروا البصرة ، تمت مفاتحتهم أولاً (برفق) من قبل الأدباء البعثيين ، ومحاولة استدراجهم إلى صفوف حزب البعث بهذا الشكل أو ذاك ، وقد لعب أدباء وكتاب السلطة و حزب البعث، أو ممن تعاون معهم حينها و من بعض رواد المقهى بالذات بعد أن غيروا قناعاتهم القديمة عبر الخوف وتحت طائلة التهديد والترغيب ، هذا الدور بشكل لا يُحسدون عليه، وسقط في البدء في  فخهم مَنْ كان لا يُتوقع سقوطه بسهولة أدهشتنا جميعاً!!. وعندما لم يجدوا استجابة ما ، مترافقة  مع ممانعة  شديدة وحادة ، من قبل مجموعة كبيرة وكثيرة من أدباء المقهى،تحولوا إلى كتاب تقارير ووشاة وإدلاء ، للأجهزة الأمنية والمخابراتية، التي أدت دورها بامتياز ، في تلك الفترة الحرجة جداً من حياتنا، ويجعلني حيائي الشخصي والوضع الذي عليه العراق حالياً، وإيماني العميق بسياسة التسامح والتصالح بعد التصارح، والتي لابد منها للعراقيين بالترافق مع الاعتذارات الصادقة ، أترفع عن ذكر أسماء الأدباء والكتاب والمثقفين ، في البصرة تخصيصاً، سواء منهم مَنْ استجاب بسهولة بالغة، لمجرد الحديث معه حول انتمائه لحزب البعث، أو لغرض الزج به ضمن ما أطلق عليه بـ(الصف الوطني) ، أو بعض الأدباء البعثيين عبر (غاراتهم) المتكررة علينا في أماكن عملنا، و تهديدنا ما لم نستجب لإرادتهم !!. وعندما أخفقوا في كل ذلك، أصبحوا وشاة ، وتحولوا إلى أدلاء لأجهزة القمع السلطوية ،وحتى مرافقتهم لها ، دون حياء ،عند اقتحام مناطق السكن والعمل، بحثاً عنا،  ومع إن كل ما جرى في تلك الفترة ،كان قاسياً و عصيّ على النسيان، إلا انه بات من الماضي وأطمح ويشاركني في ذلك ملايين العراقيين في أن لا يتكرر أيّ مقطع منه، تحت أية ذريعة ما ، أو مسمى ، الآن أو في المستقبل لأي آدمي يعيش،أو سيولد في قادم الأيام على الأرض العراقية، بأي شكل أو لون كان. في العام 2009 وفي استضافة صباحية من قبل(اتحاد أدباء وكتاب البصرة) للشاعر عبد الكريم كاصد ، بعد نهاية مهرجان المربد التاسع بأيام، تطرق، خلال حديثه ، لمسألة الرقيب وموقفه وحذفه بعض القصائد منها موضحاً: ” أنه اجتمع مع مدير(هيئة الرقابة)، آنذاك، الشاعر علي الحلي شخصياً، حول ( النقر..) وما حذفه الرقيب منها، وبعد مناقشة طويلة مضحكة معه ، أرجع قصيدة (عبر بيوت الأرمن) بشرط حذف كلمة (الأرمن) من العنوان والمتن ، وأفلح،كريم، أيضاً في إرجاع بعض المقاطع التي قررت الرقابة حذفها، رغم أنه لم يطلب سوى إجازتها لطبعها على حسابه الخاص. قال(كريم) :”إن الشاعر علي الحلي، أخبرني،أن حذف قصيدة (عبر بيوت الأرمن) ، جاء بسبب ما تثيره كلمة (أرمن ) من حساسية في صفوف القوميين العرب عامة ، والعراقيين منهم بالذات”. وأضاف:” أن حذف المقطع الشعري الذي ترد فيه عبارة (ثلاثة خراف سود ترعى) ، كان سببه اعتقاد الرقيب أن المقصود بها شعار “حزب البعث العربي الاشتراكي” المعروف (وحدة ،حرية، اشتراكية) ، أما الأبيات الشعرية الأخرى المحذوفة، فكانت لخلق معوقات لغرض عدم طبعها!!. وهذا ما ذكره أحد العاملين في هيئة رقابة المطبوعات، في حينه، لصديقٍ ليَّ من الوسط الثقافي في بغداد، طالباً منه أن يعلمني بهذا الأمر ، ومشترطاً برجاء أخوي وضروري أن يتكتم على اسمه”.

موقع الناس

Leave a Reply

Your email address will not be published.