“مايريغ”.. مطعم ينقلك إلى أرمينيا العريقة في لمحة بصر

كم من مرة عندما نجلس على المائدة لتناول الطعام نتذكر طبقا خاصا كانت تحضره لنا جدتنا فيسيل له لعابنا لمجرد التحدث عنه، لأن ما تحضره الجدات من أكلات لا يشبه أبدا تلك التي نتناولها هنا وهناك. هذا ما حصل تماما مع آلين كماكيان وسيرج معكرون اللذين أرادا إحياء أطباق جدتهما مانوشاك جوهوران ماردريان فافتتحا المطعم الأرمني «مايريغ» (يعني الأم الصغيرة) في أحضان منطقة الجميزة لينقلانك من خلال لقمته البيتوتية وبلمحة بصر إلى عالم المطبخ الأرمني العريق فتشعر وكأنك قمت برحلة سريعة إلى مدن أرمنية شهيرة بهذه الأكلات منذ القدم.

ستون صنفا من الأطباق الأرمنية تؤلف لائحة الطعام في مطعم «مايريغ» الذي حرص على أن يقدم لقمة الأجداد ضمن هندسة ديكور داخلية، تحكي كل قطعة أثاث فيه قصة من قصص منازل أرمينيا القديمة، فتشعر مباشرة عندما تدخله بدفء المكان وحميميته بدءا من غرفه المجاورة لبعضها البعض ذات السقوف العالية المبنية على طريقة هندسة منازل الريف (العقد) ومن مقاعده الخشبية المبطنة بأقمشة مطرزة بأشغال الكروشيه، التي تحمل نفحة جبال «آرارات» أو من خلال قطع السجاد المزركشة والمحاكة من الصوف الخالص المعلقة على جدران المطعم المصنوعة من الحجر الصخري القديم، وإلى ذلك من أدوات الديكور الأخرى المنتشرة في كل زاوية منه كالطناجر النحاسية وماكينة الخياطة القديمة (التي تعمل يدويا) وصولا إلى الصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود لأشخاص أرمن عاشوا في حيفا وحلب ولبنان أو إلى لوحات مشغولة باليد تظهر أحرف الترتشناغير (ألف باء الأرمنية).

حتى الإنارة في المطعم المذكور هي خارجة عن المألوف، وهي كناية عن ثريات نحاسية وبرونزية تتدلى منها أشكال من الزجاج الملون المنفوخ، الذي يضفي على المكان إضاءة خافتة وهادئة بنفس الوقت.

لا يشبه مطبخ «مايريغ» أيا من مطابخ المطاعم التي نعرفها، فهو يقتصر فقط على الطاهيات وهن في الواقع سيدات منازل عاديات أخذن على عاتقهن مهمة المساهمة في انتشار ألذ وأطيب الأكلات الأرمنية التي تعلمن وصفاتها من أمهاتهم وجداتهم فيحضرونها من ألفها إلى بائها بأيديهم، إذ يقطعون العجين ويفرغون الكوسى ويلفون البوريغ (فطائر أرمنية) ويتبلون الحشوة بأنفسهم تماما كما يفعلون في بيوتهم.

حرص القائمون على إدارة مطعم «مايريغ» على أن يجمعوا ما بين اللقمة الطيبة والشكل الجميل لأطباقهم التي يقدمونها في صحون صغيرة على طريقة المازة اللبنانية، فتصطف على المائدة الواحدة تلو الأخرى لتشكل لوحة شهية لا يعرف طالبها من أين يبدأ أو ينتهي منها.

وتطول لائحة المأكولات الأرمنية في هذا المطعم القليل من نوعه في لبنان والتي ترتكز في معظمها على الرائحة الزكية والبهارات الأرمنية اللذيذة. فإضافة إلى أنواع السلطات الكثيرة كالـ«إيتش» وهي كناية عن طبق التبولة الأرمني فهناك الـ«هايغاغان» والـ«سمبوغوف» والـ«فوسبي» والـ«كمايوف» وهي سلطات مؤلفة من الخضار أو ترتكز على الباذنجان والعدس، وهناك أيضا المقبلات الباردة كالحمص المتبل بالسجق والبسطرمة (نوع من اللحم المقدد على الطريقة الأرمنية) والبانجاروف سارما (محشي سلق بزيت الزيتون) والزيتوف دولما (كوسا وباذنجان وبصل محشي بزيت الزيتون).

ولطبق الكبة مساحة لا يستهان بها في المطبخ الأرمني الذي حاول «مايريغ» أن يقدم أنواعا عدة منها: الكبة بالعدس والكبة بالباذنجان والكبة النيئة والكبة باللبن والنعناع والكبة بالأرز أو بالبطاطا المقلية والمحشوة بالجوز والفليفلة الحمراء.

أما الـ«بوريغ» وهي كناية عن فطائر السمبوسك الأرمنية فأنواعها تختلف ما بين تلك المحشوة بالجبنة والسجق واللبنة. ويعتبر السجق أحد العناصر الأساسية في المطبخ الأرمني عامة، ويمكنك أن تجد منه كل ما تشتهيه، إن بالفخارة «مع صلصة البندورة» أو مشوي في رغيف خبز مرقوق. ومن الأطباق الخاصة بالمطعم طبق الـ«هافغيتوف بسطرمة» المؤلف من قطع البسطرمة مع بيض الفري المفروشة على خبز أرمني أصيل، وكذلك الـ«مانتي» أي (الشيش برك الأرمني) المحشو بالسبانخ أو باللحمة ويقدم مع اللبن.

ومن الأطباق الساخنة التي يسيل لها اللعاب وذات طعمة ونكهة لذيذتين تلك المؤلفة من الكباب المتبل على الطريقة الأرمنية كالـ«مادزونوف» مشوي يقدم مع اللبن والـ«فيشنة كباب» المشوي مع الكرز البري والـ«خشخاش» المشوي مع البندورة والفلفل الحر والـ«أورفا كباب» أي المشوي مع الباذنجان. كما تتضمن لائحة الطعام أطباقا مصنوعة من اللحوم والدجاج كالـ«كمايوف تيكا وكباب تيكا» المؤلفة من قطع لحوم الفيليه بقر إضافة إلى الـ«هافي كباب» أي الشيش طاووق المشوي أيضا.

وبعد أن تملأ جوفك بما لذ وطاب من أطباق «مايريغ» اللذيذة لا تنسى أن تترك مكانا صغيرا لأطباق الحلويات الأرمنية التي يشتهر في تقديمها ولا تجدها في أي مطعم آخر كمعمول الـ«بارينوف» المحشو بالجبنة الساخنة والـ«ساري بورما» أي البقلاوة الأرمنية بالجوز والـ«كايماكله» وهو كناية عن فاكهة المشمش المحشوة بالقشدة والـ«سولتاني آنوش» أي حلو القشطلية بالمشمش والفستق إضافة إلى مجموعة من المربات الأرمنية التي تقدم تحت اسم (انوشي ديساغنير) أو البوظة العربية على نكهات الحلاوة بالطحينة والمغلي والورد والجلاب والمرصبان.

لا يمكنك أن تخرج من مطعم «مايريغ» إلا وأنت تفكر بالعودة إليه مرة ثانية لتميز مطبخه وجمال جلسته، ولأنك في كل مرة تقصده في استطاعتك أن تتذوق أطباقا شهية جديدة نسبة إلى تعددها وتنوعها وترتشف في النهاية كوبا من الشاي الأرمني لتكون خاتمتها معطرة بالورد.

فيفيان حداد

الشرق الأوسط

  1. is there an oppurtunity to find a job in such a place, for i have an experience making almost all of what is mentioned above. Thanks in advance wishing u ll good luck.

Leave a Reply

Your email address will not be published.