شهر كانون الثاني الأسود ومجازر في باكو (2)

في 15 كانون الثاني بينما كانت مجازر الأرمن مستمرة في باكو تبنى المجلس الأعلى لاتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية قرار “إعلان حالة الطوارئ في إقليم كاراباخ الجبلية ذي الحكم الذاتي ومناطق أخرى”، وجرى إعلان حالة الطوارئ في كاراباخ الجبلية والمناطق الحدودية أغدام، ولاتشين، وكلباجار، وجبرايل، وفيزولي، وقوباتلو، وبعد ذلك في شاهوميان، بينما جرى إعلان حالة الطوارئ في باكو في 19 كانون الثاني عندما انتهت مجازر الأرمن فعلياً، ولم يبق أرمن في العاصمة.

استغلت موسكو مجازر الأرمن ذريعة، وأدخلت الجيش إلى باكو، لكي تسحق الجبهة الشعبية الساعية إلى السلطة، وصلت القوات السوفيتية إلى عاصمة أذربيجان في 19 كانون الثاني برئاسة ألكسندر ليبيد قائد فرقة الإنزال الجوي في القوات المسلحة السوفيتية، وكان وزير الدفاع ديمتري يازوف، الذي اعترف بعد عدة أيام بأن القوات أدخلت إلى باكو لمنع محاولة سلب الجبهة الشعبية السلطة من يد الشيوعيين، ينسق العمليات.

قتل أكثر من مئة متظاهر ومتمرد، شارك قسم منهم في مجازر الأرمن في باكو، وسحق عشرات المدنيين تحت سلاسل الدبابات السوفيتية، وجرح المئات، قتل في أثناء الاشتباكات أكثر من عشرين جندياً من الجيش السوفيتي، ما يعني أن هناك معارك جرت في المدينة، “حقيقة كانت العمليات، التي نفذها المتطرفون، عمليات عنف جماعية، وتجلى العنف في تسلح الأرمن والأذريين فترة طويلة على السواء، لم تكن الوحدات الصغيرة فقط تنهب، بل هيئات الحماية العسكرية، والقطاعات العسكرية في الإقليم، وهيئات وزارة الداخلية، لقد دمرت حدود الدولة نتيجة أعمال العنف”، قال يازوف.

بعد صمت طويل ظهر ثانية حيدر علييف الذي مكث في موسكو بعد إبعاده من المكتب السياسي عام 1987، بعد إدخال القوات إلى باكو أدان علييف تلك الخطوة في ممثلية أذربيجان في موسكو، أما بعد فترة من الوقت فقد عاد إلى مسقط رأسه ناخيتشيفان، في أيلول عام 1990 قال علييف في حوار مع الصحفي الروسي أندريه كاراولوف في ناخيتشيفان عن الأحداث التي جرت في كانون الثاني إنه لم يكن هناك داع لإعلان حالة الطوارئ في باكو وإدخال القوات، انتهت كل الصراعات بين الأرمن والأذريين في باكو قبل عدة أيام من عشية تلك المأساة ، ولم يبق أي أرمني في المدينة، والسؤال المطروح هو عمن وعمّ كانت القوات تدافع؟.

وصف علييف مجازر الأرمن غير المسبوقة في باكو حتى في الاتحاد السوفيتي الشمولي من ناحية الحجم والوقت والقسوة وعدد القتلى بأنها ليست سوى نزاع بين الأرمن والأذريين، وبدلاً من ذلك ركز فقط على ما جرى في 20 كانون الثاني، ووصفه بأنه عملية عنف ضد الشعب الأذري.

روى رئيس ناخيتشيفان علييف للصحفي الأمريكي توماس كولتس عن مرتكبي “كانون الثاني الأسود”: “إن مكتب الأمن القومي في موسكو، ومكتب الأمن القومي في أذربيجان، وقيادة أذربيجان كاملة أيضاً، مشاركون جميعاً في الاعتداء على الأرمن في باكو في 12 و13 و14 كانون الثاني، وكذلك في 20 كانون الثاني عندما اعتدت القوات السوفيتية على أذربيجان، كل ذلك كان بتخطيط موسكو، حيث شارك فيه فيزيروف ومطاليبوف من قيادة أذربيجان”.

لم تتطرق القيادة الشيوعية في أرمينيا إلى مجازر الأرمن في باكو إلا بعد شهر، حيث أدان المجلس الأعلى في 13 شباط مجازر الأرمن في باكو ومناطق أخرى من جمهورية أذربيجان السوفيتية، واصفاً تلك المجازر بأنها استمرار لإبادة الشعب الأرمني.

اعترف كورباتشوف بعد مرور 16 عاماً على الأحداث المأساوية في باكو بأن القوات أدخلت إلى عاصمة أذربيجان بأمر منه، باتت الأوضاع في باكو خارج السيطرة، فقد شلّ المجلس الأعلى والحزب الشيوعي، ودمرت حدود الدولة على طول مئتي كلم، وشنت هجمات على عناصر محلية، قمت حالاً بإرسال يفكيني بريماكوف وأندريه كيرينكو إلى باكو، وقد اقترحا إعلان حالة الطوارئ وإدخال القوات، واليوم أعدّ أنه بذلك منع المزيد من سيل الدماء.

بعد تمكن إلتشيبي والجبهة الشعبية من الانقلاب على فيزيروف بثمن باهظ ظهرت مسألة التهرب من المسؤولية، غادر ماميدوف إلى جيورجيا حالاً، ثم إلى موسكو، والتقى أول مرة بحيدر علييف في الممثلية الدائمة لأذربيجان، قامت وحدات الشرطة الخاصة في موسكو بمنع محاولة عقد مؤتمر صحفي باعتقال ماميدوف، وعوضاً من ذلك قام الجنرال في مكتب الأمن القومي علييف بعقد المؤتمر الصحفي، وأدان أعمال القيادة السوفيتية من عمليات قتل للأبرياء في باكو.

أما البطل الآخر في التحريض الدموي باناهوف فتوجه إلى إيران بعد أن تسكع عدة أيام في باكو، ومكث هناك عدة أشهر، وإن صدقنا كلامه فقد اعتقلته المخابرات الإيرانية، وبناء على قوله حاولت عرض التعاون معه، ولكنه تمكن من الإفلات من السجن في إيران، ووصل إلى تركيا، بعد ذلك عاد إلى باكو، ولم يعد في الصفوف الأمامية من الأحداث، بل كان ينفذ أوامر بسيطة من حيدر علييف.

اعتقل غازييف، وبقي في سجن ليفوردوفو في موسكو بجوار ماميدوف، خلال المحاكمة، جرى انتخابهما أعضاء في المجلس الأعلى في أذربيجان، اختبأ كوماتوف الذي قلب السلطات السوفيتية في جبال التاليش في البداية، ثم غادر إلى جيورجيا، ليعود ثانية إلى أذربيجان، وجرى اعتقاله في مكتب الجبهة الشعبية، وحكم عليه، ومنحوه شرطاً زمنياً، فعاد كوماتوف إلى لينكوران.

جرى دفن الضحايا، الذين سقطوا نتيجة الأحداث في 20-22 كانون الثاني، في باكو في مقبرة الشهداء “مرقد الشهداء”، وبعد ذلك جرى دفن ضحايا الحرب في كاراباخ أيضاً، وأصبح يوم 20 كانون الثاني يوم حداد في أذربيجان المستقلة، حيث تقام كل عام أنشطة مختلفة بهذه المناسبة، ودخل “مرقد الشهداء” ضمن مراسم البلد، حيث يقصده رؤساء الدول، الذين يقومون بزيارة رسمية إلى أذربيجان، ويضعون أكاليل الورد عليه.

الفصل العاشر من كتاب “يوميات كاراباخ، أخضر وأسود، لا حرب، لا سلم”، للكاتب الصحفي طاطول هاكوبيان، ترجمة د. نورا أريسيان، بيروت، 2012.

Leave a Reply

Your email address will not be published.