الحوار واجب وطني أم خطة تكتيكية للشركاء في دمار سوريا..

في زخم التصريحات المؤيدة للحوار المطروح والمُعارضة له، من كل طرف من أطراف النزاع، “النظام والمعارضة”، يحاول كلا الطرفين إثبات قوتهم على أرض الواقع بعدم الرضوخ أو التنازل للآخر، فالطرف القوي على الأرض سيفرض شروطه على طاولة الحوار..

وهل الحوار يعني أن الصراع المسلح سيتوقف ومعاناة السوريين ستنتهي؟..

إن الحوار في هذه الظروف لا يعني أن العمل العسكري والقتل والتدمير سوف يتوقف، بل العمل العسكري يعتبر شرطاً اساسياً لاستمرار الحوار، هذا من وجهة نظر و رؤية الشركاء في دمار سوريا، ومن يستخدمهم في تدمير سوريا، وأرجحية نجاح هذه المفاوضات تتعلق بشكل مباشر او غير مباشر بالعمل العسكري وقوة السيطرة على مناطق معينة من سوريا، أي أن الحوار سيكون ميدانياً، والفصل سيكون عسكرياً ببقاء أو رحيل طرف ما، فبقاء الطرفين معاً يعتبر استحالة، كما ذكرنا من وجهة نظر أطراف الصراع في سوريا…

إن المبادرة التي بادر بها الشيخ أحمد معاذ الخطيب رئيس الائتلاف المعارض وضعته في” خانة اليك”وكانت من الممكن أن تنهي مهمته التي وكّل بها، ووصلت لدرجة تخوينه من بعض المعارضين، مع أنها كانت من المبادرات، أو المبادرة الوحيدة التي تسعى لوقف النزيف وإراقة دماء السوريين، بغض النظر عن كيفية إجراء المفاوضات، ومع من سيتم الحوار، ورفض جزء من المعارضة، وعدم قبول النظام بهذا الحوار، أو قبوله بشروط لن تقبل بها المعارضة، ستضفيوتزيد على اللوحة السورية طابع الدموية، وتزيد من معاناة المواطن السوري..إلى اين ستذهب بنا الأمور في سوريا، وإلى أي مدى سيصل القتل والتدمير في بلادنا؟..هل محاولة المعارضة بطرح هذه المبادرة كانت خطة تكتيكية، بعد الاحساس بعدم قدرتها على حسم المعركة لصالحها، وسلاح ذو حدين؟ أم مبادرة وطنية بحتة؟..وعدم قبول النظام للحوار، هل هو من مصدر قوة، وأن الأمور قاربت أن تحسم عسكرياًمن طرفه ؟.. أم مراوغة منه للحصول على أكثر قدر ممكن من التنازلات من المعارضة والمجتمع الدولي؟..يمكننا أن نرى ونستقرئ ما يحصل من بعدين سياسيين لكل طرف، بعقلية المعارضة وعقلية النظام..

الأول:بعقلية المعارضة…

تعرضت المعارضة لضغوط دولية كبيرة، لقبول الحوار مع النظام تحت بنود معاهدة جنيف، فبعد عامين من محاولة اسقاط الأسد دون فائدة، والتخوف من توسع دائرة الصراع ووصولهاإلى دول الجوار، ومنها إلى دول أخرى، وخروجها من تحت سيطرة الغرب، ساهم في قبول الحوار مع النظام مع التحفظ،وأيضاً بعد احساس الائتلافبتخلي المجتمع الدولي عنه عسكرياً ومادياً،ومنع تسليح الجيش الحر لأسباب بات الجميع يعرفها، رُميت الكرة في ملعب المعارضة بعد خروج الغرب من هذا الملعب، لتترك المعارضةوحيدة بمواجهة النظامتقرر مصيرها، ولكي يحمّلوها مسؤولية ما يمكن أن يحدث من دمار وقتل أكثر مما نحن عليه اليوم في سوريا، في حال عدم قبول الحوار، والواجب الوطني جعل البعض يقبل بالحوار لإخراج الشعب من الحالة المأساوية التي يعيشها، وتخوفاً من زوال سوريا من المنطقة..

والبعد الآخر يفرض فرضية وضع خطة تكتيكية من طرف المعارضة، بعد الاحساس بعدم قدرته على حسم المعركة لصالحه، وعرض الحوار كمادة من الممكن أن تلعب دوراً سياسياً في قلب الموازيين في الشارع السوري، وكسب قلوب السوريين من طرف ومراوغة النظام من طرف آخر لكسب بعض الشخصيات السياسية والعسكرية الهامة المتقلبة الموجودة في النظام اليوم، والتي لم تحسم أمورها حتى الآن، وفي نفس الوقت التوسع في العمليات العسكرية والسيطرة على مناطق ومدن حساسة من سوريا ومنها المطارات العسكرية، والطرق الرئيسية التي تربط بين المدن، للتقليص من قوة الجيش السوري النظامي وانتشاره، وفرض شروطها على النظام من مصدر القوة وليس الضعف، في حال الجلوس على طاولة المفاوضات، أو إنهاء المعركة بالحسم العسكري قبل اللجوء للحوار، أو وضع المجتمع الدولي في الموقف الحرج والضغط عليه، وإثبات استعماله كل الأوراق والطرق بدون فائدة، لفرض التدخل العسكري الدولي…

الثاني:بعقلية النظام…

بعد سنتين من المعارك اليومية التي خاضها الجيش السوري النظامي، بات منهكاً ولم يعد يستطيع الاستمرار، وخاصة بعد الانشقاقات الكثيرة التي حصلت داخل قواعد هذا الجيش، والحالة النفسية التي يعيشها العسكريين من قتل السوريين للسوريين، والحرب الطائفية، ورؤية الفظائع والمجازر التي تحصل يومياً، بحق المواطن وبحق الوطن وبحق الدولة، بات من الصعب الاستمرار بالقتال وحسم المعركة لصالح النظام، كما أن هناك ضغط روسي عليهم بعد الضغط الدولي الهائل التي تعرضت لها روسيا لتغيير موقفها من سوريا، وتخوف النظام من تغيير الموقف الروسي وزيادة الضغط عليهليجبره على قبول المفاوضات،والعمل على الحصولعلى أكبر قدر ممكن من التنازلات لحماية أنفسهم مما قد يحصل في حال سقوط النظام، مع اقل قدر من الخسارة وضمانات بعدم التعرض لهم، مع العلم بوجود بعض الشخصيات الوطنية داخل النظام تبحث عن الحل السياسي، وإنهاء مسلسل الموت للحفاظ على الدولة السورية والشعب السوري..

أما البعد الثاني فهو رؤية بقاء المعارضة وحيدة، وتخلي المجتمع الدولي عنها وعدم قدرتها على حسم الأمور، وثقة النظام بأن الحسم سيكون عسكرياً فقط، مع وجود معطيات لديه بأن الوضع أوشك على نهايته فيما يتعلق بالعمل الميداني العسكري، وامتلاكه لأسلحة نوعيةلم يستعملها بعد، يستطيع بها حسم المعركة لصالحه،ويحاول المراوغة بدوره لكي يثبت للمجتمع الدولي جديته بقبول الحوار وإنهاء الأزمة، ورفضه للحوارأو قبوله له بشروط، تعتبر مراوغة، أيضاً، لمحاولة كسب الوقت واسترجاع أو الحصول على المناطق التي اصبحت بأيدي المعارضة المسلحة، للضغط عليها في حال اضطراره للجلوس على طاولة الحوار..

إذن، هل هناك لعبة جديدة في طرح هذا الحوار والمبادرة المطروحة؟..

وما هو السيناريو القادم إن تم الوصول إلى اتفاق مشروط أو غير مشروط، يقبله الطرفين للحوار؟..وهل ستتوقف العمليات العسكرية بعد بدأ المفاوضات؟..ومن هو الطرف الضعيف هنا في هذه الحلقة؟..أقول لكم، الطرف الضعيف هنا.. هو الشعب السوري…

بروكسل..

بيتروس بيتروسيان

p.petrossian@gmail.com

Leave a Reply

Your email address will not be published.