قيومجيان الموجوع يقيم جسراً بين الأرمن والعرب

يطبق كيراكوس “كارو” قيومجيان على تلابيب القارئ منذ الصفحة الأولى فارضا شرطه الاساسسي: النزاهة. أنت معذور اذا كنت لا تعرف لكن بما انك امسكت الكتاب بكلتا يديك لتقرأه فعليك ان تتمتع بالنزاهة الكافية لتحتمل قراءة فصول المأساة بحروف النار المكتوبة بها. انها ارمينيا, تلك التي تسري حارقة عروق كارو من الداخل اما العنوان البريء: “محطات ومواقف.. مقالات في السياسة والتاريخ” التي اختارها لكتابه الصادر في 2012 والمزين بالالفباء الأرمنية بزخرفة مشرقة الالوان, فهي ليست سوى عدة الشغل واغراء بجذب القارئ الى عش الذاكرة المحترقة بفعل فاعل وقصد قاصد والى مكابدة تجربة عشق فريدة للوطن والناس.

كارو يحفر بسكينة “الستانلس” طوال 237 صفحة متوسطة القطع ذاكرته وذاكرة قارئه وبلغة عربية فصيحة وهو الذي لم يتعلم فوق مرحلة المتوسط, كما يقول محاولاً مد جسر تواصل وطيد بين الارمن والعرب, عل به وعبره يتم اجتياز كوارث الماضي وكوارث الحاضر.
لا يبدي “كارو” وهو الذي جعل من نفسه كاتب مقالات في الكثير من الصحف الكويتية والعربية والعالمية كثير اهتمام لا في السياسة ولا في التاريخ كنظريات ومدارس وايديولوجيات, انه بألمه وبراءته وبريته, اشبه بذئب جريح يسدد سهام عينيه حيث سلبته السياسة وطنه وحيث ساهم التاريخ بطمطمة الكارثة والسكوت عنها.. مقالاته الموزعة على سنوات تزيد على عقد من السنين يمكن ان تقسم قسمين واضحي الملامح:
القسم الاول يستذكر مأساة الأرمن وينبري للرد على كاتب هنا ومحاضر هناك عل مسؤول هنا او حزبي هناك وفي مرات يأخذ هو مكان الضيف في حلقة تلفزيونية ثم يورد ردوده عن كل سؤال لفك “شركولة” الخيطان وتبيان الاسود من الابيض.

والقسم الثاني يجهد لتثبيت مداميك يقوم عليها جسر التواصل مع العرب ومع كل الشعوب التي شلعتها السياسية ثم اتى التاريخ ليزيل المعالم من ساحة ساحات الجريمة ولكن سرعان ما يتخلص الوجع من لجة التحسر وندب الحظ على ما فيه من قرحة حادة ورومانسية وسرعان ما يترجل دون كيشوت عن حصانة البغل ويرمي سيف الخشب الطويل المعد لمقارعة الطواحين عندما يعود كارو الى مكابدة “بازل” الواقع وينظر الى قطعه نظرة العارف فلا يجد قلمه الا وهو يكتب ببرودة السؤال الحارق: لماذا نحن منهمكون ومشغولون في محاربة الطواحين بقدراتنا الهزيلة ونستهلك وقتنا الثمين ونستنزف طاقات شبابنا وثروات اوطاننا الهائلة? لماذا لا نقنع انفسنا بأن ما يحصل لنا ليس وقفاً علينا ويحصل مع غيرنا نتيجة ظروف دولية تعتبر مؤقتة حتى ولو طالت؟

ويمضي: يجب ان ندرك ان دولا اكبر واقوى منا تفعلها مجبرة, ولماذا لا نقتنع بضرورة التأقلم حتى ولو كان شديد الوطأة علينا. سبق ان قلت ان الدنيا دولاب, والدور الاتي, ويا للاسف ليس لنا, بل كما يظهر في الافق لدول شرق آسيا وذلك لاننا اهدرنا مقدراتنا في محاربة القوى الامبريالية كما نقول. ويضيف: ولاء الارمن لاوطانهم الحالية لا ينازعه انتماؤهم القومي الاصلي مهما تعاظم اذ لم يبخل الارمني على وطنه بروحه ودمه ولا بالغالي ولا النفيس واصبح عدو العرب عدواً للارمن وصديق العرب صديقاً للارمن, حياة واحدة ومصير واحد للجميع وشركاء في الازدهار.

جريدة السياسية

Leave a Reply

Your email address will not be published.