البابا بندكتوس السادس عشر والكنيسة الأرمنيَّة

بقلم المطران بطرس مراياتي رئيس أساقفة حلب وتوابعها للأرمن الكاثوليك

تمّ انتخاب الكَردينال جوزيف راتزِنْغر خلفاً للبابا يوحنّا بولس الثاني في 19 نيسان 2005، واتّخذ اسم بندكتوس السادس عشر وهو في الثامنة والسبعين من عمره. وبعد ثماني سنوات من حَبْريَّة حافلة بالأحداث والنشاطات الرسوليَّة، داخل الفاتيكان وخارجه، وبما أصدره من كُتُب ورسائل وتوجيهات وإرشادات بابويَّة، يُفاجئ قداسة البابا بندكتُس السادس عشر العالَم أجمع، ويعلن استقالته من السدّة البطرسيَّة في 28 شباط 2013!

كان لي الشرف أن ألتقي قداسة البابا بندكتوس مرّات عديدة، كان أوّلها في4 أيّار 2005، بعد انتخابه، مهنّئاً إيّاه بمنصبه الجديد وطالباً بَرَكته. وقد أكّد قداسته تعاطفه مع الكنيسة الأرمنيَّة، أينما وُجدت، متمنّياً تعزيز اللقاءات المسكونيَّة بين الكنائس ومتابعة الحِوار بين الأديان والحضارات. وطلب، بدَوره، الصلاة على نيّته ليتابع الرسالة الملقاة على عاتقه. وها نحن نعرض مقتضبين، ونقف وقفة عرفان بالجميل لما يكنّه قداسة البابا للكنيسة الأرمنيَّة وشعبها من محبّة وتقدير. وقد ظهرا واضحَين طول مدّة حَبْريّته.

إليكم ما قال قداسته في 31 تشرين الثاني 2006 في الكاتدرائيَّة الأرمنيَّة الرسوليَّة في إسطنبول بحضور البطريرك مِسْروب الثاني مُوطافْيان، ضمن برنامج زيارته إلى تركيّا من 28 تشرين الثاني إلى 1 كانون الأوّل 2006: “في القرن الثالث عشر، كتب نِرْسيس اللمْبرونيّ، أحد معلّمي الكنيسة الأرمنيَّة العظام، كلمات التشجيع هذه: “الآن، إذ نحتاج جميعنا إلى السلام مع الله، فليكنْ أساسه التناغم بين الإخوة. لقد طلبنا إلى الله السلام ونتابع الطلب. انظروا، ها إنّه يهبه لنا كهديَّة: فلنتقبّله! سألْنا الله أن يثبّت كنيسته المقدَّسة، وقد سمع طلبتنا برغبة. فلنتسلّقْ إذاً، جبل إيمان الإنجيل!”. لم تفقد كلمات نِرْسيس هذه شيئاً من زخمها. فلنتابع الصلاة معاً من أجل وحدة المسيحيّين، كيما، باستقبالنا هذه الهديَّة من العلاء، بقلوب منفتحة، يمكننا أن نكون شهوداً صادقين لحقيقة الإنجيل وخدّاماً أفضل لرسالة الكنيسة”.

وقد وجّه قداسة البابا إلى أعضاء سينودُس البطريركيَّة الأرمنيَّة الكاثوليك يوم الاثنين 20 آذار 2006، في إطار زيارتهم الأعتاب الرسوليَّة، كلمةً تحدّث فيها عن الكنيسة الأرمنيَّة “الكنيسة العريقة والنبيلة التي تساهم بكنوزها الروحيَّة في إغناء جَمال عروس المسيح”. وتطرّق أيضاً إلى الأحداث التاريخيَّة التي عاشها الشعب الأرمنيّ على مَرّ العصور، لا سيّما الآلام التي عاناها باسم الإيمان المسيحيّ. وذكّر قداسته بالنداءات الكثيرة التي وجّهها البابا لاوُن الثالث عشر إلى الكاثوليك لمساعدة الشعب الأرمنيّ وكلمات البابا بندكتُس الخامس عشر، مؤكّداً “أنّ الأرمن الذين سعوا دوماً، ومن خلال نشاطهم وكرامتهم، للانخراط في حياة المجتمعات التي وُجدوا فيها، يشهدون وحتّى يومنا هذا، على أمانتهم للإنجيل. وبما أنّ الجماعة الأرمنيَّة الكاثوليكيَّة منتشرة في بلدان عديدة، تمّ إنشاء أبرشيّات وفق ما اقتضت الحاجة لتقديم الاهتمام الراعويّ اللازم. وفي الشرق الأوسط وقيليقية… وضعت العناية الإلهيَّة بطريركيَّة الأرمن الكاثوليك التي ينظر إليها المؤمنون الأرمن الكاثوليك كمرجع روحيّ لتقليدهم الثقافيّ والليتُرجيّ”. وأضاف قداسته: “إذا شهدت الأحداث التاريخيَّة تجزئة الكنيسة الأرمنيَّة، ستعمل العناية الإلهيَّة كيما تعود يوماً متّحدة في تناغم أخويّ داخليّ وشركة كاملة مع أسقف روما. وقد شكّل علامةً معزّية لأمنية الوحدة هذه، الاحتفال بذِكرى مرور 1700 عام على تأسيس الكنيسة الأرمنيَّة، بمشارَكة البابا الحبيب يوحنّا بولس الثاني. نريد أن نكون جميعاً أدوات في يد المسيح. فهو الطريق والحقّ والحياة، يساعدنا كيما يكون هناك، وفي أسرع وقت ممكن، قطيع واحد لراعٍ واحد”. وفي ختام كلمته أوكل قداسته الجميع إلى حِماية القدِّيس غريغوريوس المنوِّر والقدِّيسين والشهداء الذين شهدوا للإنجيل عبر الزمان. ومنحهم بَرَكته الرسوليَّة.

وفي احتفال تاريخيّ دشّن قداسة البابا بندكتُس السادس عشر صباح الجمعة 22 شباط 2008 لوحة على اسم القدِّيس غريغوريوس المنوِّر في الباحة الشماليَّة لبازيليك القدِّيس بطرس في الفاتيكان، مذكِّراً بأنّ سلفه البابا يوحنّا بولس الثاني قد بارك تمثالاً للقدِّيس غريغوريوس المنوِّر في هذه الباحة نَفْسها، قبل وفاته بأشهر. وأشار قداسته في كلمته إلى أنّ هذا القدِّيس الكبير – ولأكثر من سبعة عشر قرناً خلت – جعل من الأرمن شعباً مسيحيّاً، لا بل أوّل شعب مسيحيّ على نحو رسميّ. كما أشار إلى أنّ غريغوريوس قد لُقّب بالمنوِّر، لأنّ فيه انعكس وجه المخلِّص بطريقة فريدة. وختم الأب الأقدس كلمته قائلاً: “ونحن ندشّن باحة القدِّيس غريغوريوس المنوِّر، نرفع الصلاة كيما يواصل الشعب الأرمنيّ، بشفاعة ابنه القدِّيس، السير على دروب الإيمان، يرشده المسيح وإنجيله”.

وفي إطار زيارة الكاثوليكوس كاريكِين الثاني، بطريرك إتْشمِيادْزين لجميع الأرمن الأرثوذكس، حاضرةَ الفاتيكان من 6 إلى 12 أيّار 2008، قال قداسة البابا في كلمة الاستقبال: “إنّ تمثال القدِّيس غريغوريوس المنوِّر، أبي الكنيسة الأرمنيَّة الذي وُضع على جدار البازيليك الفاتيكانيَّة يذكّر الجميع بالاضطهادات التي عانى منها المسيحيّون الأرمن على مَرّ العصور، لا سيّما خلال القرن المنصرم… إنّ الشهداء الأرمن يكوّنون علامة قوّة الروح القُدُس الذي يعمل في أشدّ مراحل التاريخ حلكة، ويبعث الرجاء في جميع المسيحيّين أينما وُجدوا”.

وفي كلمة ترحيبيَّة بالكاثوليكوس آرام الأوّل، بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الأرثوذكس (أنطلياس) الذي زار الفاتيكان من 23 إلى 27 تشرين الثاني 2008، قال قداسة البابا بندكتُس السادس عشر: “في الصلاة نتّحد بجموع القدِّيسين والشهداء والمعلّمين واللاهوتيّين الأرمن، الذين يكوّن إرثهم من العِلْم، والقداسة، والإنجازات التبشيريَّة، جزءاً لا يتجزّأ من إرث الكنيسة جمعاء. ونذكر القدِّيس نِرْسيس شْنُورْهالي، والقدّيس نِرْسيس أسقف طرسوس الذي عُرف “ببولس طرسوس الثاني”. وقد شهد حقبة من أمرّ الآلام التي قاساها شعبكم. لكنّ إيمان الشعب الأرمنيّ وتقواه حظيا دوماً بدعم من ذِكرى العديد من الشهداء الذين شهدوا للإنجيل على مَرّ القرون. فلتستمرّ نِعمة الشهادة هذه في تمييز ثقافة أُمّتكم، ولتنفح في أتباع المسيح إيماناً أعظم في قوّة الصليب المخلِّصة والواهبة للحياة”. وقال قداسته أيضاً: “إنّ واجهة بازيليك القدِّيس بطرس الفاتيكانيَّة تضمّ تمثال القدِّيس غريغوريوس المنوِّر، مؤسِّس الكنيسة الأرمنيَّة الذي سمّاه أحد المؤرِّخين الأرمن بقوله: “والدنا وأبونا في الإنجيل”. إنّ هذا التمثال يذكّرنا بالآلام التي تكبّدها القدِّيس خلال حَمْله الشعب الأرمنيّ إلى الإيمان، وبالعدد الكبير من الشهداء والمعترفين بالإيمان الذين حملوا ثماراً وافرة في تاريخ شعبكم. إنّ الثقافة الروحيَّة الأرمنيَّة هي زاخرة بفضل هذه الشهادة التي حملها أسلافكم، الذين تألّموا بأمانة وشجاعة في شركة مع الحَمَل المذبوح من أجل خلاص العالَم”.

ولمناسبة زيارته الراعويَّة إلى الأردنّ والأراضي المقدَّسة من 8 إلى 15 أيّار 2009 قال قداسة البابا بندكتُس السادس عشر لدى زيارته كاتدرائيَّة القدِّيس يعقوب للأرمن الأرثوذكس في القُدْس، يوم الجمعة 15 أيّار 2009، بحضور بطريرك القُدْس طُورْكوم مانوقْيان: “منذ العصور المسيحيَّة الأُولى كان للجماعة الأرمنيَّة في القُدْس تاريخ عظيم ميّزه ظهور حياة وثقافة نسكيّتين مرتبطتين بالأماكن المقدَّسة وبالتقاليد الليتُرجيَّة التي نمت حول هذه الأماكن… أصلّي كي تتمكّن جماعتكم من أن تستقي دائماً حياة جديدة من هذه التقاليد الغنيَّة وتكون ثابتة في الشهادة الأمينة ليسوع المسيح وعَظَمة قيامته”.

لمناسبة الذِكرى السنويَّة العاشرة لانتخاب الكاثوليكوس كاريكين الثاني، بطريرك جميع الأرمن بعث البابا بندكتُس السادس عشر رسالة في 27 تشرين الأوّل 2009، جاء فيها: “أشكر الله على النِعَم التي منحها للكنيسة الأرمنيَّة الرسوليَّة بوساطة خدمة قداستكم… أسأل الله العليّ، بشفاعة القدِّيس غريغوريوس المنوِّر، أن نبقى – أكثر من أيّ وقت مضى – متّحدين في الأواصر المقدَّسة للإيمان. أصلّي لتحلّ نِعَم الله الثالوث على قداستكم: فلتغمركم محبّة الله الآب، ولتنركم حِكمة الابن، وليلهمكم الروح القُدُس. مع خالص مشاعر التقدير، أؤكّد لقداستكم محبّتي الأخويَّة في الربّ”.

لمناسبة انعقاد سينودُس الكنيسة الأرمنيَّة الكاثوليكيَّة الاستثنائيّ في روما من 5 إلى 13 آذار 2012، استقبل قداسة البابا أعضاء السينودُس، يوم الأربعاء 7 آذار 2012. وأعرب في كلمته عن “امتنانه للولاء الذي يحمله الأساقفة الأرمن للتراث والتقاليد المسيحيَّة ولخليفة بطرس الرسول، وهو ولاء أيّدهم في العديد من المواقف التاريخيَّة”. وبمرافقة البَرَكة الرسوليَّة و”الصلاة الحارّة” من أجل أعمال السينودُس، أعرب قداسته عن رغبته “في تعزيز التواصل والتفاهم بين الرعاة، حتّى يتمكّنوا من قيادة الكاثوليك الأرمن على نحو جيّد، مع دفع إنجيليّ جديد، في مسيرة الشهادة السخيَّة والبهيَّة للسيّد المسيح والكنيسة”.

وضمن برنامج زيارته الراعويَّة إلى لبنان من 14 إلى 16 أيلول 2012، كانت لقداسة البابا بندكتُس السادس عشر محطّة تاريخيَّة في دير سيّدة بزمّار، مقرّ الكرسيّ البطريركيّ للكنيسة الأرمنيَّة الكاثوليكيَّة، يوم السبت 15 أيلول 2012، حيث جاء في كلمته بعد أن بارك تمثال الراهب الأرمنيّ هاكوب ميغابارْد الذي طَبَع أوّل كتاب باللغة الأرمنيَّة في البندقيَّة (إيطاليا) العامَ 1512: “بفضل العناية الإلهيَّة تمكّنّا من أن نلتقي في مقام بزمّار هذا، الذي هو رمز الكنيسة الأرمنيَّة الكاثوليكيَّة. إنّ الراهب هاكوب المسمّى “ميغابارْد”، أي “الخاطئ”، هو مثال في الصلاة والتجرّد. منذ 500 عام، طبع “كتاب الجمعة” مشيِّداً بذلك جسراً بين الشرق المسيحيّ والغرب المسيحيّ. نستطيع أن نتعلّم في مدرسته معنى الرسالة وجرأة الحقيقة وقيمة الأخوّة في الوحدة… بشفاعة الرسولين برتلماوس وتدّاوس، وشفاعة القدِّيس غريغوريوس المنوِّر، نطلب من الربّ أن يبارك الجماعة الأرمنيَّة التي عانت كثيراً طوال العصور، وأن يبعث فعلة لحصاده وقدِّيسين قادرين على تغيير واجهة مجتمعاتنا وعلى شفاء القلوب الميتة ومنح الأمل والشجاعة والرجاء للبائسين، وكلّ ذلك بوساطة المسيح”.

شُكراً لك، يا صاحب القداسة، البابا بندكتُس السادس عشر، على كلّ ما قدّمته من عطاءات لخير الكنيسة الجامعة، وعلى كلّ ما عبّرت عنه من إكبار ومودّة تجاه الكنيسة الأرمنيَّة. وإذا ما انعكفت بعد الآن في صومعتك للدراسة والتأمّل، لا تنسَنا في صلاتك. وكُنْ على ثقة بأنّنا سنحملك، نحن أيضاً، في صلواتنا، معطَّرةً بمشاعر الامتنان والإجلال.

حلب 26 شباط 2013

Leave a Reply

Your email address will not be published.