امرأة نجت من الإبادة الأرمنية في قرية “تشونكوش” التركية التي كانت تضم 10 آلاف أرمني

كريس بوهجاليان

ستموت امرأة التقيت بها الشهر الماضي في شمال شرق تركيا قريبًا على الأرجح. وكالات الأنباء لن تغطي وفاة آسيا، ولن يشعر أحد برحيلها إلا مجموعة محدودة من الناس في قريتها الصغيرة تشونكوش. حتى أقاربها الذين يحبونها سيفكرون في أنها كانت في الثامنة والتسعين من عمرها أو ربما التاسعة والتسعين، أو إذا صمدت حتى عام 2015، تكون قد تجاوزت المئة، وبذلك تكون قد عاشت حياة مديدة.

عندما التقيت آسيا، قدّمت لي ابنتها شاياً كرديًّا قويًّا وبعض حبات الفراولة المنعشة من حديقة المنزل. وعندما أعود إلى قريتها ذات يوم وأكتشف أنها رحلت، سأبكي على الأرجح. ولكن لمَ أبكي على امرأة التقيتها مرة، امرأة عاشت حياة مديدة، وما كانت تفهم كلمة مما أقول، امرأة لا تجيد سوى اللغة التركية، لغةً لا أعرف منها إلا عبارتَين «من فضلك» و”شكرًا”؟
سأبكي لأن آسيا ممن يدعوهم البعض (الأرمن المخبأين)، وهي آخر شخص أرمني ما زال يعيش في قرية تشونكوش.

التقيت بها خلال رحلة كنت أقوم بها مع ستة من أصدقاء أميركيين متحدرين من أصل أرمني في جزء من تركيا يعتبره أرمن كثيرون (وأنا منهم) أرمينيا التاريخية. عبرنا منطقة غالبية سكانها اليوم من الأكراد، إلا أنها كانت تضم قبل 98 سنة خليطًا من الأكراد، الأتراك، الأشوريين، والأرمن. كنت وأصدقائي نقوم برحلة حج إلى بقايا الكنائس والأديرة الأرمنية، أطلال ثقافة مُحيت من هذا الركن من الأرض مع الإبادة الأرمنية. خلال الحرب العالمية الأولى، قُتل أكثر من 1.5 مليون أرمني في عملية إبادة منظّمة، أي ما يعادل 3 من كل أربعة أشخاص أحياء في السلطنة العثمانية.

أيام حالكة

خلال اليوم الخامس من رحلتنا، زرنا تشونكوش، التي كانت تضم حتى عام 1915 مجتمعًا أرمنيًّا مزدهرًا يعدّ نحو 10 آلاف نسمة. تهيمن أطلال الكنيسة على القرية، التي كانت بغالبيتها من الأرمن. ولكن في غضون أيام قليلة حالكة من ذلك الصيف، نزلت القوات التركية وفرق القتل الكردية على القرية وأرغمت معظم الأرمن على السير مسافة ساعتين إلى وادي يُدعى دودان. هناك أطلقوا عليهم النار، نحروهم بخناجر بنادقهم، أو رموهم بكل بساطة في صدع يرتفع مئات الأمتار. لكن أحد الجنود الأتراك سحب والدة آسيا من الصف عند حافة الوادي فقط لأنه ظنّ أنها جميلة. قرر الزواج بها، وهكذا نجت من الموت المحتّم، وأصبحت واحدة من أرمن قلائل نجوا في ذلك اليوم المظلم من أيام صيف عام 1915.
لم أتوقع ورفاقي التعرف إلى آسيا حين قصدنا تشونكوش. أردنا أن نزور بقايا الكنيسة فحسب. أقرّ معظم القرويين أن الأرمن كانوا في الماضي يعيشون في تشونكوش، إلا أنهم سارعوا إلى التأكيد عندما سألناهم عما حلّ بهم أنهم {رحلوا} كلهم في مرحلة ما. لكن الحقيقة أنهم ما زالوا هناك، أو ما تبقى من عظامهم المتحللة في قعر صدع دودان. لم نتوقع أن نعثر على أي أرمني حيّ في القرية.

ولكن عندما هممنا بالمغادرة، ركض إلى سيارتنا رجل نحيل في عقده السابع علت التجاعيد وجهه وغطى رأسه بقبعة رياضية. وراح يدق على الباب بقوة. كانت قد مضت على وصولنا إلى القرية ساعةً، فانتشر خبر وجود أرمن فيها. أصرّ الرجل على ضرورة أن نلتقي بوالدة زوجته.

خاف سائقنا الكردي من أن تكون هذه بداية حادثة دولية سيئة: خطف سبعة أميركيين أو قتلهم. لكن ذلك الرجل ألحّ، لذلك وافقنا على مرافقته للقاء آسيا. يجيد صديقي خاتشيك موراديان، محرر المجلة الأرمنية Weekly في الولايات المتحدة، التركية، فعمل مترجمًا لنا.

سبق أن التقيت عددًا من الناجين من الإبادة الأرمنية، من بينهم جداي. لكن لقاء آسيا بدا مختلفًا تمامًا. لم تكن تعيش في واشنطن أو باريس أو بيروت. لم تكن جزءًا من الأرمن المقيمين في الشتات، حيث نجد عادةً الناجين القلائل من هذه الإبادة. كانت امرأة وقفت والدتها على حافة شق دودان، امرأة ما زالت تقيم هناك في القرية حيث قُتل أهلها، حيث أبيدت ثقافة أسلافها.

بعد المجزرة، تحوّلت تشونكوش من قرية العشرة آلاف أرمني إلى قرية العشرة آلاف كردي. إنها امرأة سمعت والدتها طلقات النار التي لا تنتهي وتحطُّم الأجساد على صخور الوادي وعويل الأطفال المتواصل. كبرت هي ووالدتها وشاختا وهما تدركان هويتهما وما حلّ بأهلهما، وتعيان أنهما أرمنيتان، إلا أنهما اضطرتا إلى التأقلم مع الواقع والحفاظ على الصمت. كان هذا ثمن النجاة في تلك الأيام عقب الإبادة. وهذه عادة يشهدها عدد من القرى الصغيرة مثل تشونكوش اليوم. ولعل هذا المثال الأبرز لمن يُدعون (أرمن مخبأين).

تلوذ بالصمت

كلما سألنا آسيا عما إذا كانت أرمنية، كانت تهز رأسها بتواضع وتلوذ بالصمت، ما دفع بابنتها في مرحلة ما إلى التدخل والقول: {لا، لا نستطيع الكلام عن هذا الأمر}. وكلما سألناها عما أخبرتها به أمها مما شهدته عند الوادي، كانت تنظر إلى الأسفل وتقول بصوت خافت: {كنت صغيرة جدًّا. لا أذكر ما حدث}. وكانت أحيانًا تبدأ جملة: قالت أمي… ، إلا أن صوتها سرعان ما كان يختفي.

في إحدى تلك اللحظات التي توقفت خلالها عن الكلام، أمسكت بيدها. كان هذا ردّ فعل عفويًّا. ولا أعلم ما إذا كانت هذه إساءة ثقافية. لكنها لفّت أصابعها حول أصابعي، وكانت قبضتها قوية. نظرت إليّ من تحت حجابها بعينين فيهما من البؤس والقوة ما لم أرَ له نظيرًا. أدركت في الحال لمَ أراد صهرها، ذلك الرجل الطيّب، منا أن نلتقي بها: فقد أرادت التعرّف إلينا، أرادت أن تلتقي بأرمن آخرين.

صار عدد الناجين الأحياء من الإبادة الأرمنية ضئيلاً، ولا شك في أنه سيكون أقل مع حلول الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية عام 2015. آمل أن تكون آسيا لا تزال على قيد الحياة لأنني أخطط للعودة إلى تشونكوش في تلك السنة. لا شك في أن أحدًا في تلك القرية لن يحيى ذكرى العشرة آلاف أرمني الذين ماتوا في ذلك الصدع. لذلك على أناس أمثالي أن يبذلوا الجهد وأن يعانقوا آسيا وأمثالها المتبقين في عالمنا اليوم.

* كاتب له 16 مؤلفًا وستصدر روايته الجديدة The Light in the Ruins في 9 يوليو.

الجريدة

Leave a Reply

Your email address will not be published.