سقوط المشروع الأردوغاني العثماني

إسطنبول  عندما خرج المواطنون المصريون الى ساحة التحرير، لم يـتأخر رئيس الوزراء رجب طيب آردوغان، في الحديث اليهم عبر شاشات قناة «الجزيرة»، ليقول لهم إنه معهم، داعياً الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك إلى احترام إرادة الجماهير.
وبدأت حكومة حزب العدالة والتنمية منذ اليوم الأول لإسقاط نظام مبارك، في علاقتها الاستراتيجية الشاملة مع الإخوان المسلمين، وقدّمت إليهم كافة أنواع المشورة في جميع المجالات إيماناً منها بأن مصر الإخوان ستكون العمق الاستراتيجي لتركيا آردوغان ذي الجذور الإخوانية.

وكان الرئيس التركي عبد الله غول، أول رئيس أجنبي يزور مصر بعد استقالة مبارك، حيث التقى القيادات العسكرية وعبّر لها عن استعداد بلاده لتقديم كافة أنواع الدعم السياسي والاقتصادي والنفسي.

واستضافت الحكومة التركية الآلاف من قيادات وكوادر الإخوان لتدريبها في جميع المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والمالية والإعلامية، بما لحزب العدالة من خبرة في السيطرة على مفاصل الدولة. وجاءت أحداث تقسيم الأخيرة لتثبت خطأ بعض المثقفين وندمهم المتأخر على دعمهم للحكومة، بينما انتبه شباب ميدان التحرير ومثقفو مصر أكثر، إذ لم يصبروا سوى سنة واحدة على نظام محمد مرسي.
لقد أثبت المصريون أنهم أكثر وعياً سياسياً وسدّوا الطريق على تجربة الإخوان الخطيرة التي شاهد الجميع ما فعلته وأيديولوجيتها الخطيرة في المنطقة، ولا سيما في سوريا عبر الفتاوى التي أطلقها الداعية الاسلامي القطري المصري يوسف القرضاوي وأمثاله من الإسلاميين الإخوانيين. وجاءت أحداث مصر وسقوط محمد مرسي ليضعا آردوغان أمام تحديات جدية وخطيرة جداً. فاذا استمر هذا السقوط الإخواني، وستسعى أنقرة إلى منعه بكافة الوسائل، فإن مشروع آردوغان التركي العثماني الخاص بالعالم الإسلامي سيسقط، وخاصة بعدما بدأت ملامح هذا السقوط عبر الفشل الذريع لسياسات آردوغان في سوريا. مما يعني أن الزعيم التركي لم ولن يتردد في حشد المزيد من الإسلاميين مهما كانت صفاتهم ودرجات اعتدالهم أو تطرفهم لإحراج الرئيس بشار الأسد، لأنه لا ولن يتقبل بسهولة هذه الهزيمة الإخوانية لدى حليفة أنقرة الاستراتيجية.

ويبدو أن القاهرة لن تشهد بعد الآن أي اجتماع للجامعة العربية ضد سوريا مهما كان التحريض والاستفزاز القطري والتركي. كما ان سقوط الإخوان في مصر حطّ وسيحطّ من معنويات آردوغان وكافة حلفائه من القوى والجماعات الإسلامية المقاتلة في سوريا، وسيرفع ذلك في المقابل من معنويات النظام في دمشق، وخاصة بعدما حقق انتصاراته العسكرية الأخيرة. وستحطم كل هذه التطورات من معنويات آردوغان بعدما بات واضحاً أن نموذجه الإسلامي الديموقراطي لم ينجح في مصر. وهو ما قد يتأكد في الجارة ليبيا وعبرها في تونس.

ويعود التاريخ ليثبت من جديد أن سوريا وايران اللتين غزاهما السلطان العثماني سليم (1514-1517) قد منعتا الحلم العثماني. لقد اعتقد السياسي التركي ذو الجذور الإسلامية أن التاريخ العثماني والدغدغة الأميركية للنموذج التركي الإسلامي الديموقراطي سيكونان كافيين لتحقيق الحلم الآردوغاني الأكبر الذي اصطدم بجدار الحقيقة العملية أولاً في سوريا، وبالتالي عقائدياً في مصر بسقوط الإخوان. ففي مصر فشل الأجير وفي تركيا فشل المعلم، بدليل ملايين الاتراك الذين خرجوا الى الشوارع ولو متأخرين ليقولوا إنهم لن يسمحوا بتمرير احلام آردوغان داخلياً، حتى لا تتحول تركيا الى مصر جديدة بعدما قال المصريون إنهم لن يقبلوا لبلادهم ان تكون تركيا آردوغان.

المواقف التركية يوم أمس لعلها التعبير الأصدق عما سلف. «إزاحة الجيش لمرسي عن السلطة، لا تعكس رغبة الشعب» ولا بد من «العودة الى الديموقراطية». كلمات جاءت على لسان نائب رئيس الوزراء بكر بوزداغ، الذي تحدث في العاصمة أنقرة، مشيراً إلى أن تغيير الرئيس في مصر لم يأت نتيجة إرادة شعبية. لم يكن التغيير متماشياً مع القانون والديموقراطية.
أما وزير الخارجية أحمد داود اوغلو، فوصف إطاحة الجيش الرئيس المصري بأنها «غير مقبولة» وعدّها «انقلاباً عسكرياً». وأضاف إنه لا يمكن التوصل إلى تسوية وطنية إلا عن طريق «مساهمة مؤسسات ديموقراطية ونشطاء من الموالاة والمعارضة إضافة إلى المنظمات الأهلية»، محذراً في الوقت نفسه من أن الانقلاب يجب ألا يطغى على نجاح ثورة 25 يناير. وتوقع أن التطورات الجارية في مصر ستؤثر ليس فقط على المنطقة ولكن على العالم كله، لذلك فإن اجراء انتخابات حرة ونزيهة بمشاركة جميع القوى السياسية في الأجل القصير أمر في غاية الأهمية.

حسني محلي

الأخبار

  1. نوراير مانجيان July 6, 2013, 7:39 pm

    ليعرف الجميع أن الحل فقط بالتعايش ** تعايش الإنسان مع أخيه الإنسان

    مع الأسف بقية الكائنات الحية تطبق عملية التعايش

Leave a Reply

Your email address will not be published.