لا تبيعي أختي، يا أماه

Apeliancoverوصلت “لوسين باصماجيان” في حالة يرثى لها إلى مدينة الباب بقرب حلب، كانت على شفير الموت، كما كان ولداها الاثنان “كيفورك” و”يبراكسي” منهكين، ولا يقويان السير فقد سارا من مسقط رأسيهما “دورت يول”.

فالمدينة المشهورة في مملكة كيليكيا التي كانت بيتهم ومهدهم منذ سنين طويلة أقفرت في وقت قصير، وتحت ثقل قعقعة سياط العثمانيين تجمع الناس في الساحات وساروا نحو الجنوب، نحو الغيب والنفي.

وأما الرجال، جمعوهم وأخذوهم قبل ذلك، فهؤلاء ذاقوا عذاباً أقل، لأن الدولة “الفضيلة” قتلتهم. كان “هاروتيون – أرتين باصماجيان” من أعيان المدينة وكان زوجاً وأباً مخلصاً، فلم يتسع له الوقت لوداع أولاده وزوجته، فقد أخذوه مع الرجال وببساطة قتلوه. في تلك الأيام، أن يكون المرء من الأعيان أو الأغنياء فهذا يشكل خطراً. عندما تسوق الدولة العثمانية الرجال فإنها تعدم أهل المدينة، فالدولة تعلم جيداً حيل تنفيذ خططها.

وقعت “لوسين” مع المئات من النساء بين براثن المذلات والتعذيب الشديد، ففقدان زوجها كان يثقلها، وإدراكها أنها تركت بيتها وعائلتها ينهك تلك المرأة. ففي تلك الأيام، كان وقع عذاب الأعيان والأثرياء ثقيلاً. والآن، الشوارع الضيقة والمغبرة في مدينة أو بالأحرى بلدة الباب المكتظة بالمهجَّرين الأرمن، والفقر أمر اعتيادي في البلدة. واليوم، المهجَّرون الذين سيقوا من هناك، وحتى من قبل السكان المحليين الفقراء، تجوز فيهم الرحمة والرأفة.

لم يكن بوسع “لوسين باصماجيان” الحركة، فهي تقف تحت ظلّ شجرة صغيرة، فكيف ستعتني بأطفالها؟ أدركت الآن، كم هو رهيب أن تتعرض سيدة تعيش حياة رغيدة لمثل هذا الشقاء، صحيح أنها ليست أميرة أيام زمان أو زوجة وزير ولكن حسب مقاييس “دورت يول” الفاخرة فهي زوجة تاجر وصاحب أملاك، أو أنها أصبحت كذلك قبل أسابيع قليلة.

ماذا ستفعل وكيف تتصرف لتؤمن لقمة العيش لأولادها، فحبيبها “أرتين” لم يتمكن من ترك المال لزوجته، وقد صرفت الليرات التي كانت معها، وهل يكفي المال لرشوة الجندرمة. لم يبد الموت الطوباوي بعيداً، لكن الموت المبكر سيكون أنانية فولداها “كيفورك” و”يبراكسي” ما زالا أحياء. وفي أوجاعها تلك، جرّت جسدها شبه العاري نحو أحد الأبواب وهي تنتظر قطعة خبز.

وتلك التي فتحت الباب حدّقت بهذه السيدة، فهي ورغم العذاب والشقاء الذي لاقته فما زالت تحمل سمات نبل، أما ابنتها “يبراكسي” فكانت طفلة جميلة بخصلها وبشرتها البيضاء. أوه، ولو أمكن الحصول على تلك الطفلة. خرجت امرأة أخرى من الداخل، وبعد أن رصدتا “يبراكسي” تبادلت السيدتان إشارات مميزة وأدخلتا “لوسين باصماجيان” وولديها ووضعتا أمامها خبز التنور واللبن والرز بالحليب ومأكولات أخرى، وبدأت السيدتان تلعنان العثمانيين من جهة، ومن جهة أخرى تثنيان على الأرمن وتشفقان على ما فقدوه من بيت وأملاك.

لم يكن سهلاً على الأرمنية وأولادها استطعام هذه الضيافة الوافرة، فبطونهم أضمرت من الجوع لأسابيع طويلة، فاكتفوا بعدة ملاعق من الرز بالحليب، ولم ينفع إصرار السيدتين في فتح البلاعيم والبطون المسدودة.

وبإشارات من السيدتين، أومأت الكبيرة بينهما واقترحت على “لوسين” أن تترك ابنتها “يبراكسي” عندهم فسيرعونها مثل نور عيونهم وستعيش مع أولادهم، ووعدتها بأنها لن تعمل في الحقل، وهكذا اقترحت أن تبقي “يبراكسي” عندهم كعمل صالح لوجه لله .

كانت أول ردة فعل لـ”لوسين باصماجيان” الرفض قطعياً، وكيف يتم ذلك، وبأي قلب ستفترق عن ابنتها “يبراكسي” التي لا مثيل لها، أوه، ابنتها الوحيدة التي ولدت في سنة مجازر “أضنا”، كم هي غالية عليها، وخاصة على زوجها “أرتين” الذي لن يبدل ابنته الغالية مقابل العالم كله، وأول ما كان يفعل عندما يعود من المتجر هو أن يجلسها على ركبتيه ويلاعبها ويلامس خصلها ويملئ جيوبها بالسكاكر الملونة، ومهما كان “أرتين” تعباً، كان ينسى كل تعبه وهمومه وهو يمضي بضعة دقائق مع “يبراكسي”.

– يا “لوسين”، يا لوسين”، كيف سنعطي فتاة مثلها عروساً، وهل تعطى مثل هذه الفتاة عروساً؟

والآن يُقترَح أمر آخر، كيف يمكنها ترك ابنتها الفاتنة ووحيدة زوجها برعاية هؤلاء النسوة الغرباء. وماذا ستقول لزوجها الذي لم تفقد أمل اللقاء به أبداً، كيف ستجيب على أسئلة زوجها. لا، لا، مستحيل أن تترك ابنتها الوحيدة لتلك النسوة المحسنات.

لم تكن السيدتان من نوع المستسلمات، أصرتا وأقسمتا ألف مرة على أنه عندما تعود الـ” مدام” طبعاً، ولن يكون ذلك بعيداً بعون الله، ستعيدان الفتاة اليها. وكم مرة أكدتا لها أنهما تفعلان ذلك من أجل الخير لوجه الله.

لا تستطيع “لوسين باصماجيان” اتخاذ القرار، فهناك صدام صامت وطويل في صدرها. فإن أخذت معها ابنتها من يدري ماذا سيكون مصيرها، ربما تتعرض للاغتصاب أو القتل أو الاختطاف، وأقل شيء أن تتعرض للجوع وتذهب ضحية الأمراض المعدية، والأكثر أن اقتراح هاتين الامرأتين كان يبدو صادقاً فهما تؤكدان أنهما ستعيدان الفتاة. وهم بإذن الله سيعودون بعد عدة أسابيع أو على الأكثر بعد عدة أشهر لكي يذهبوا إلى “دورت يول” البهيّة. وأخيراً، أعلنت القرار الكبير أنها ستترك ابنتها هناك في “الباب” بتدبير من الله، بما أنها على شفير الموت، وهاتان الامرأتان العربيتان في مدينة الباب تتكفلان رعاية ابنتها الوحيدة.

تبادلت السيدتان إشارات الانتصار، لكن لم تنته الأمور بعد، أخرجت الكبرى بينهما بعض الليرات من طرف صدرها السمين ومدته إلى “لوسين خانم”. فالطريق ما زالت طويلة وربما تحتاج إلى المال.

شكرت “لوسين” ربّها من الأرض حتى السماء لعطف الامرأتين، وأخذت الليرات وقربتها من عينيها.

– لا يا أمي، أعيدي ذلك المبلغ، إن أخذت ذلك المال يعني أنك تبيعين أختي، لا، لا، لا تأخذي هذه الليرات، أعيديها، لا تبيعي أختي.

تابعت السيدتان بإحراج مناقشة الأم وابنها، فلم تحبذا إصرار الابن.

ماذا ستفعل “لوسين”، فتلك الليرات يمكن أن تنقذها طبعاً إن بقيت بحوذتها ولم تذهب إلى الجندرمة الأتراك، لكن ما يقوله ابنها منطقي جداً، ماذا ستقول لزوجها “أرتين” إن اجتمعت العائلة يوماً ما، وقد باعت “يبراكسي” بيدها هي، “لوسين”. مهما كان زوجها لطيفاً فقد كان أباً وزوجاً قاسياً. تركت “لوسين” الليرات تنزلق من بين يديها.

تهامست السيدتان للحظة، ماذا إذاً، هذه الامرأة شبه العارية لا تفكر في ترك ابنتها عندهما. لا، الأمر ليس كذلك، فهذه الأم لا يمكنها أخذ ابنتها معها، وببساطة لا تريد أخذ الليرات، على أنها مقايضة، وهذا أفضل بالنسبة للسيدتين.

عانقت “لوسين” ابنتها، لا يمكنهما الافتراق، مهما كان الفراق صعباً فهو ضرورة، يجب إنقاذ حياة البنت بأي ثمن، أما في رحلتهم باتجاه الصحراء البعيدة فلا شيء ينتظرها سوى الموت والعار حتماً. ابتعدت “لوسين” وعيناها تحدقان إلى الخلف على ابنتها.

سعادة السيدتين كانت كبيرة، ففتاة مثلها هي بمثابة هبة من السماء، ولم يتوانيا في استغلال تلك الهبة بشكل أفضل. فأعطياها لعائلة ثرية في نفس البلدة مقابل حفنة من الليرات، أما أم الفتاة فسلكت طريق الموت، ودون عودة.

تغير اسم “يبراكسي” الجميلة وصار “مريم”، ووجدت الحنان والعطف في بيت مليء بالأطفال، صاحب وصاحبة البيت أحبا الفتاة المسكينة كثيراً ولم يبخلا عليها بشيء، فكانا يعتنيان بها قبل أولادهما، ويلبوسانها، إيه، فالفتاة الأرمنية اللعينة كانت جميلة وستصبح عروساً خلال سنوات قليلة، وعروساً بجمالها يمكن أن تؤمن ثروة بأكملها لوالدها ووالدتها الجديدين.

كانت السنوات تتوإلى، و”لوسين” لم تعد، وبدأت “مريم” تكبر ويوماً بعد يوم وتصبح أجمل وأحلى، وقد نست أو بالأحرى جعلوها تنسى اسمها “يبراكسي” وماما “لوسين”. فهي “مريم” وأمها “خديجة” وأبوها “يوسف”، فكان والداها سعيدين بأن كل شيء يسير كما حلما به، فبفضل “مريم” سيحصلان على صهر وأحفاد مذهلين.

إلا أن حسابات الحقل لا تتطابق مع حسابات البيدر، فبعد عدة سنوات انتهت الحرب العالمية الأولى، وانهارت الامبراطورية العثمانية الفاسدة والمتغطرسة مثلها كمثل الامبراطوريات الأخرى. وها هو “يوسف” و”خديجة” أمام همّ جديد، وماذا لو لم تكن أم “مريم” الحقيقية ميتة وعادت!

لن تعود “لوسين”، فقد مرت في طريق السيف والنار، وقد فقدت على الطريق “كيفورك”، الذي اختطفه الأتراك بقرب “مسكنة”، وأخذوه إلى مكان بعيد وقتلوه بعد أن تعرض لتعذيب لا يوصف. فبعد أن فقدت زوجها وابنتها وابنها ماذا يبقى لـ”لوسين باصماجيان” غير نهر الفرات. آه، فهذا النهر الذي ينبع من جبال أرمينيا بدلاً من أن يمنح الحياة للأرمن صار وعاء مروعاً للانتحار. لم تتوان الأرمنيات اللواتي فقدن الأهل والشرف والمال من القفز في أمواجه المجنونة وسيله. بدورها “لوسين” بعد أن فقدت زوجها وابنتها وولدها لم تجد سوى الفرات ملاذاً لها، لكن صوتاً داخلياً وأملاً بعيداً يهمس أن ابنتها “يبراكسي” تنتظرها، نعم، صوتها الداخلي يمنعها من أن تقفز في الفرات وتكون ضحية حية.

وبعد عدة سنوات، تزوجت “لوسين” من رجل عربي أرمل وثري، ولأنه مسلم تقي تفهم نفسية زوجته وسمح لها أن تبقى على دينها.

لم يكن زواج “لوسين” في دير الزور البعيدة ضماناً لتبقى في حضن عائلتها الجديدة، ففي نهاية الحرب بدأت عمليات جمع الأيتام، وكان جنود الجيش الانكليزي يجولون من قرية إلى قرية، ومن بلدة إلى بلدة، ويجمعون الأيتام الأرمن من الخيم والبيوت المغبرة والحظائر ويسلمونهم إلى المياتم.

رفض أهل “مريم” الجدد الافتراق عن ابنتهم الفاتنة، ليس لأنهم دفعوا مبلغاً مرتفعاً ليحصلوا عليها، ولا لأنهم سيزوجونها خلال سنوات قليلة، بل لأنهم يحبونها بصدق. فهم مستعدون أن يضحوا بكل شيء من أجل الاحتفاظ بها عندهم، فكانوا قبل أن تشق الشمس طريقها يذهبون إلى البستان ويخبئونها على شجرة كثيفة الأوراق إلى أن تغيب الشمس، وهكذا استطاعوا أن يخبئوها لأسابيع، لكن لا يمكن الاستمرار بهذا الحال. أوشى الجيران وذهب ممثلون عن السلطة الانكليزية إلى البستان وأنزلوها، ورغم دموع وتضرعات والدها ووالدتها “الجديدين” أخذت إلى حلب وسُلمت إلى ميتم هناك.

وهناك كان يوجد مئات الأيتام جُمعوا من أماكن بعيدة، وقد استعرب الكثيرون منهم أو صاروا أكراداً في لغتهم ونفسيتهم وسلوكهم. وعملية إعادتهم إلى أصلهم الأرمني تعتبر عملاً صعباً، فمنهم من يرفض أصله الأرمني، ولكن على مر الزمن يمكن حل تلك الأمور.

كان إعطاء الصبية والبنات أسماء أرمنية عملاً صعباً كذلك، ولكن ليس بقدر العمل الأول، فالصغار يقتنعون بسرعة بأسمائهم الأرمنية، ولكن الكبار كانوا يستصعبون الأمر. كانت “مريم” ترفض الأسماء التي تعطى لها، كونها كبرت فكانت ترفض تلك الأسماء المكررة التي كان المسؤولون يعطونها يميناً ويساراً مثل “هايكانوش” و”فارتانوش” و”سرانوش” و”زاغكانوش”، لا، ولا “ساتينيك” أو “أناهيد” أو حتى “أسدغيك”. وفي أحد الأيام نادت على “مريم” إحدى المسؤولان في الميتم وشرحت لها كم هي جميلة وفاتنة ويليق بها اسم “كيغانوش” (وتعني الفاتنة. المترجمة). “يبراكسي” فتاة الأيام الماضية، و”مريم” التي أتوا بها من “الباب” بدأت تحب هذا الاسم وتعمّدت به.

لم تكن الحياة في الميتم ممتعة، فكان بعض الأطفال يحلمون بالعودة إلى أمهاتهم وآبائهم، ولا يهم إن كانوا يعيشون مع الخراف تحت الخيم أحراراً ودون هموم، فهناك في الطبيعة لا توجد قوانين الميتم الصارمة. وكان الكبار منهم يحملون ذكريات مبهمة من مسقط رأسهم وأهلهم وأقربائهم. أما هناك في الميتم، فالحياة جرداء بقوانينها القاسية وأحياناً بمسؤوليها عديمي الشفقة، وآخرون يتذكرون التهجير ومقتل أقربائهم وعلى الأغلب كانوا لا يتصالحون مع الحياة والدنيا.

كانت “كيغانوش” تتذكر الأيام التي قضتها في “الباب”، فهناك كان البابا والماما يرعيانها كثيراً أكثر من أولادهما الشرعيين، يغذيانها بالزبدة والعسل والثمار من بستانهما، كما كانت تتذكر أماً وأباً آخرين كحلم ضبابي، لكن من هما وأين هما، إنه تفكير مبهم.

هناك في الميتم، كانت “كيغانوش” تتمتع بالحنان، وكانت فتاة استثناية تساعد الجميع، وتقدم خدماتها لمن يطلب منها بكل سرور، وهي الألمع في الصف، وكانت “كيغانوش” تظهر على خشبة المسرح عند كل حفل، وبقدر ما تقدَّر بقدر ما تكون موضع الحسد.

أمضت بضعة سنوات في الميتم، حيث كبر شبان وشابات بأعداد كبيرة، أرسل بعضهم إلى المهن والبعض الآخر إلى التبني عند عائلات أرمنية، ورغم أن غالبية العائلات في حلب كانت مهجَّرة ومحتاجة، فلم تتوانَ بعض العائلات بتبني واحد أو إثنين.

لو لم تفرَّغ كيليكيا من جديد لكان من الممكن إيجاد أماكن لغالبية هؤلاء الأيتام بين عائلات تعيش على أرضها الأصلية، ولكن لم يبق هناك أرمن بعد، لم يبق سوى الاسكندرونة حيث كانوا يرسلون قسماً من الأيتام. لكن في أحد الأيام، سلك مدير الميتم “العم أدور” طريق كسب ومعه مجموعة من الأيتام، فكانت الرحلة لا تحتمل، فالطريق من حلب إلى اللاذقية ضيقة وكلها التفافات، مما سبب الدوار للجميع، فمكثوا في اللاذقية بضعة أيام، وأمكنهم توزيع بعض الأيتام عند عائلات أرمنية في اللاذقية. كان هناك “البيت الروحي” الذي تحول إلى مركز للمهجَّرين، وقطعة الأرض الأرمنية تلك كانت في السابق عبارة عن محطة استراحة لحجاج القدس الأرمن، وهي اليوم ملآنة بأشلاء نجت من المجازر، وقد أمكن تدبير أمر عدد من الأيتام هناك. وسلك “أدور” طريقه إلى كسب مع الباقي، لم تكن الطريق براً، بل طريق بحرية، أخذ بحار يوناني على عاتقه نقل الأيتام على حسابه على قارب ينقل الخشب من جبل موسى إلى بيروت. فالبحر والرحلة كانا أمرين جديدين على الأيتام الأرمن حيث اعتبروا البحر أمراً نادر الوجود، بعد أن ساروا على الرمال الصحراوية. وبعد الابحار نصف يوم، وصلت المجموعة إلى شاطئ “كارادوران” (السمراء)، ومضوا من وادي “كارادوران” إلى كسب على البعير وسيراً على الأقدام. وكذلك كان وادي “كارادوران” العميق جداً أمراً جديداً عليهم، فرحبت كل الأحياء الأرمنية البائسة في “كارداش” في أعالي الشاطئ بهؤلاء الأيتام، وفي كل حي كانت الضيافة بانتظار الأطفال، من التين والعنب ولكن ضيافة كل حي كانت تختلف عن ضيافة الآخر.

وصل “العم أدور” ومرافقوه خلال ساعتين أو ثلاث إلى باحة مدرسة “ساهاكيان” في كسب، وكانوا قد أعلموا مسبقاً عن مجيئهم وجهزوا الغذاء الفاخر باللحم الوافر والفاصولياء والرز، وبعد أن أكل الصبية والفتيات بشهية وشبعوا قصدوا ظل جدار كنيسة القديسة مريم إلى جانب المدرسة حيث غفى بعضهم.

وفي أثناء ذلك بدأ الناس يتجمعون ليتبنوا الأيتام ويأخذوهم معهم، فكان عدد الذين رغبوا بالتبني كبيراً، وعدد الأيتام سبعة وعشرين، فكانوا يتشاجرون مع المدير ويريدون تبني يتيم بالتأكيد، وعندما قيل إنه تم تبني جميع الأيتام بدأ الناس يشتمون ويهددون يمناً ويساراً.

أما “شاميرام” أكبرهم سناً فكانت تحذر جميع الأيتام الذين واجهوا نفس الحظ وتهددهم قائلة: إياكم، لا تذهبوا مع الذين يضعون ربطة عنق أو مع أناس بقبعات أمريكية، فهؤلاء إنجيليون.

رغم تهديدات “شاميرام” بأنه ستقطع أقدام من يذهب مع إنجيلي، صارت “كيغانوش” الابنة الروحية للرجل بقبعة أمريكية وربطة عنق “بولي تشوروكيان”.

كان “بولي” إنجيلياً، ومن الأعيان في المنطقة، وحديثاً أسس معملاً لصناعة الصابون. وبهذا كان يدعم اقتصاد كسب لأنه كان يشتري زيت الغار من القرويين ويصنع به الصابون الكسبي الفاخر.

صارت “كيغانوش” ابنة “بولي” بالتبني وأختاً لصبية في عمرها اسمها “أزادوهي تشوروكيان”، كانتا تذهبان إلى المدرسة سوياً وتلعبان، وهناك، وجدت الحنان والعطف كما الأبناء الشرعيين.

مرت السنين بسرعة وغدت “كيغانوش” شابة جميلة تلفت أنظار شاب من “النبعين” يدعى “هاكوب توتيكيان”، ولا يهم إن كانت “شاميرام” ستمنع هذ الاختيار أيضاً لأن “هاكوب” يلبس ربطة عنق أيام الأحد ويضع قبعة أمريكية.

كان “هاكوب” شاباً طويل القامة ويملك بيتاً ومهنته الحياكة. وصار زفاف “كيغانوش” و”هاكوب” حديث الجميع لفترة زمنية، فالجميع يحسد “هاكوب”، أن يكون للمرء زوجة بجمالها فهو الهناء بعينه.

رغم رونقها كانت “كيغانوش” تساعد زوجها في أعمال البستان، وتهتم بالبقرتين، وكامرأة وهبت لزوجها أربعة أولاد، وكانت راضية من حياتها الجديدة.. ولكن يبقى سؤال ينهش بداخلها: من هي، والآن هي مقتنعة أنها ليست “مريم” القادمة من “الباب” فهي سيقت إلى هناك من مكان بعيد، وسلمت إلى نسوة عربيات باعتاها إلى إحدى العائلات رغم قسمهما، لكن من هي وماذا كان اسمها الذي أجبراها على نسيانه في “الباب”. قصتها هذه كانت معروفة من قبل كل أهل كسب.

* * *

في عام 1940 ذهب أولاد العموم “سديبان” و”نجيب مكرديجيان” من كسب ليستقرا مع عائلاتهما في دير الزور، كانا طبيبي أسنان، وتعتبر دير الزور الصحراوية النائية والجاهلة مكاناً مثالياً لكسب المال بالنسبة للأطباء وأطباء الأسنان، فاستقر الإثنان مع زوجاتهما وكدسا المال.

زوجة “نجيب” تدعى “أوفسانا توتيكيان” وهي ابنة “سيم توتيكيان” وقريبة “هاكوب” زوج “كيغانوش”. وكانت “أوفسانا” و”كيغانوش” قريبتين من بعضهما البعض، وكانت “أوفسانا” على علم بمغامرة “كيغانوش”.

عيادة “سديبان” و”نجيب” تكون عادة مكتظة بالمرضى السعداء من عمل الحكيمين، فلا يحصلان فقط على بركة الناس، بل الهدايا أيضاً كالسمن والجبن والخروف وغيرها.

“دير الزور” هي منطقة مباركة، وكانت في زمن مضى مكان شهادة الأرمن ورمزها.

كانت النسوة تأتي إلى المشفى بوجوه مدقدقة وحالما تدخلن تكشف عن وجوههن ويروين قصة حياتهن. هن أرمنيات تزوجن بطبيعة الحال من عرب أو بدو. وكل قصة هي مغامرة بحد ذاتها، وقد شبع “سديبان” و”نجيب” من تلك القصص، لكن القادمين يخرجون ليرسلوا آخرين إلى مشفى الحكيمين الأرمنيين. لطالما كان “ألم الأسنان” الحقيقي بالنسبة لتلك الأرمنيات هو مرارة وشقاء حياتهن.

وعادة كانت كل القصص وكل الزيجات نتيجة تعصب، فكانت النسوة تفتح قلوبهن للحكيمين دون خجل، فقد وجدن من يستمع إليهن في هذه الصحراء، تلك النسوة اللاتي طردن من مدن وقرى خضراء من كيليكيا وأرمينيا، وجدن من يتحدث لغتهن فيروين مغامراتهن بالتفصيل وبكل صدق.

وفي أحد الأيام دخلت المشفى سيدة حيَّت الحكيمين بالأرمنية، وكان “نجيب” و”سديبان” قد اعتادا على زائرين من هذا النوع، فهي ظاهرة تتكرر دائماً، ولكن عندما نظر طبيب الأسنان “نجيب” إلى وجه السيدة المكشوف الجالسة على الكرسي، ارتبك للحظة، أين رأى هذا الوجه أو وجهاً يشبهه.

فقالت السيدة: – أنا من “دورت يول”.

– إيه، إذاً أنت أيضاً تعذبت، يا أختاه، الله يجازي أعداءنا.

– قصتي مختلفة، يا حكيم يا أخي، مختلفة..

لم يكن “نجيب” يتابع القصة بأهمية فقد سمع مئات القصص خلال أشهر قليلة، لكن كم كان وجه هذه السيدة مألوفاً، فأرسل الخادم لزوجته “أوفسانا”، وهمس في أذنها أن تنظر إلى وجه المريضة وتخمّن مَن تشبه.

وما إن نظرت “أوفسانا” إلى وجه السيدة رفعت يدها إلى فمها وصرخت قائلة: – يا نجيب هذه السيدة، تشبه .. “كيغانوش” زوجة “هاكوب” .

ارتبكت السيدة أيضاً، ذلك الاسم لا يعني لها شيئاً، لكن أن تشبه شخصاً فذلك بصيص أمل.

طلبت “أوفسانا” من السيدة أن تنزل من على الكرسي وأخذتها إلى غرفتها لتحكي لها قصتها، وعندما بدأت السيدة تتحدث عن الفتاة التي تركوها في “الباب” اقتنعت “أوفسانا” أنها والدة “كيغانوش”، فنادت زوجها الدكتور نجيب وطلبت منها أن تروي القصة أمامه للمرة الثانية.

هذا ما في الأمر، إن “أوفسانا” على علم بقصة “كيغانوش”، وقصة هذه السيدة هي ذات القصة، فطلبت “أوفسانا” أن تروي القصة من أولها حتى نهايتها.

هذه السيدة المدقدقة في وجهها هي زوجة “أرتين باصماجيان” من “دورت يول”، اعتقل زوجها قبل تهجيرات عام 1915 وأخذوه دون عودة، ووصلت هي إلى “الباب” مع ابنها و”يبراكسي” الجميلة، وهي مريضة وفي حالة شبه عارية، حيث اقترحت سيدتان أن تبقيا “يبراكسي” عندهما إلى حين عودتها وأعطت السيدتان لها المال مقابل ذلك، أصر ابنها ألا تأخذ المال لأنها ستكون قد باعت ابنتها، وهكذا تابعت رحلتها على أمل أن تعود لتأخذ ابنتها.

إن ما روته هذه السيدة حتى الآن يتطابق مع قصة “كيغانوش”، لكن بعد ذلك فإن قصة “لوسين باصماجيان” هي قصة جديدة. مهما كان اختطاف ابنها “كيفورك” وقتله في “مسكنة” وشقاؤها في دير الزور وزواجها مثيراً للاهتمام إلا أن ذلك لا يهم “أوفسانا”.

إذاً اسم كنتهم “كيغانوش” هو “يبراكسي” وزوجة “هاكوب” هي ابنة “أرتين ولوسين باصماجيان” من “دورت يول”.

اتصل الدكتور “سديبان مكرديجيان” بأحد أعيان ومسؤولي كسب الدكتور “أفيديس إنجيجيكيان” وشرح له ما جرى بكل تفاصيله، وبدوره الدكتور “أفيديس إنجيجيكيان” دعى “هاكوب توتيكيان” اليه وأطلعه أنهم وجدوا حماته. من الطبيعي أن يهزّ هذا الاكتشاف “كيغانوش” لكنها هيأت نفسها شيئاً فشيئاً لاستقبال والدتها.

رافق “نجيب” و”أوفسانا” “لوسين باصماجيان” التي أصبحت “الست مريم” وتوجهوا إلى كسب، فجلبت “لوسين” معها الجبن والسمن بكميات كبيرة، إنه “حلوان” دير الزور. في تلك الأيام لم تكن الرحلة من دير الزور إلى كسب سهلة، فوصلوا إلى كسب منهكين بعد يومين من السفر.

كانت جميع النسوة في القرية قد اجتمعن في قاعة الضيوف الواسعة في بيت “هاكوب توتيكيان” في قرية “النبعين” في كسب، تقريباً عشرون سيدة جلسن بشكل دائري في الغرفة. كان الشك قد سكن في قلب “كيغانوش”، وماذا لو كانت هذه السيدة القادمة من دير الزور غشاشة سمعت قصتها وقصة أمها، وإن كانت السيدة القادمة والدتها الحقيقية فستعرفها من بين تلك النسوة المجتمعات في الغرفة.

نزلت “لوسين” و”نجيب” و”أوفسانا” من الباص في مدخل قرية “النبعين”، ويقع بيت “هاكوب توتيكيان” في منحدر قوي على منعطف، وكان الرجال مجتمعين ينتظرون بفارغ الصبر وصول “حماة هاكوب البدوية” وكذلك الأولاد قد تجمعوا ليروا شيئاً جديداً، هو وصول سيدة غريبة. قامت “كيغانوش” بتهيئة أولادها وخاصة “فاهان” و”أفيديس”، أما “هايك” ابن الأعوام الأربعة كان هناك أيضاً دون أن يفهم شيئاً، وقد جاء بوجنتيه الحمراوين المدعبلتين.

أما “لوسين” المعتادة على الصحراء المسطحة فكانت تستصعب النزول في المنحدر، فاتكأت على كتف “أوفسانا”. توقفت للحظة تلك السيدة الملفحة بالأسود فتوقف معها موكب القرويين.

– والله العظيم، هذا الولد هو ابن “يبراكسي”.

كان ذلك الولد “هايكو” ابن “كيغانوش”.

– كم يشبه هذا الولد ابنتي “يبراكسي”، إنه يشبهها كثيراً في طفولتها.

لم تكن السيدة القادمة من الصحراء على خطأ، كان ذلك الولد ابن “كيغانوش” – “يبراكسي”. كان القرويون المجتمعون هناك يتابعون باهتمام تلك البدوية، السيدة بوجهها المدقدق، التي تسمَّرت يدها في الهواء عندما حاولت ملامسة شعر الولد، فهرب الولد من شدة خوفه واختبأ خلف صبي أكبر منه.

وكانت النسوة في بيت “هاكوب” بانتظار وصول السيدة القادمة من دير الزور، وأخيراً عندما رأت إحداهن سيدة بمظهر غريب وملفحة بالأسود أخبرت مَن في الداخل فانتظرها الجميع بفارغ الصبر وقلوب خفاقة. هل هذه السيدة حقاً هي والدة “كيغانوش” ؟ كان قلب “كيغانوش” يخفق بقوة، وماذا لو كانت هذه السيدة خداعة؟

وأخيراً دخلت السيدة وأغلقت عينيها للحظة كي تتأقلم مع نور الغرفة، حبست النسوة أنفاسهن وانتظرن في الغرفة، وبدأت البدوية تتجول في طرف الغرفة وتتأمل النسوة واحدة تلو الأخرى وتمر، أما عندما اقتربت من “كيغانوش” لم تكن بحاجة لتتأملها أطول، عانقتها وصرخت متحسّرة: – “يبراكسي”، يا روحي، يا فلذة كبدي.

“يبراكسي” ؟ ومن هي “يبراكسي”؟

– يا روحي يا “يبراكسي”، يا غاليتي، يا ابنتي.

ها هما الامرأتان، الأولى مرت من ميتم إلى ميتم حتى وصلت إلى كسب وصار لها بيتها وعائلتها وصارت الشابة “كيغانوش-يبراكسي”، والأخرى سارت على طريق الصحراء وفقدت أهلها، وهي “لوسين باصماجيان” أو السيدة العربية “مريم”، عثرت الأم على ابنتها بعد ثلاثة عقود.

كانت “لوسين البدوية” تذرف دموعها بمرارة وتـُبكي مَن بجانبها، وخاصة ابنتها “يبراكسي-كيغانوش”، فكانت دموع الأم وابنتها تتداخل وتسيل بغزارة. فالمرأة لم تخدعهم ومن بين عشرين امرأة عثرت على ابنتها، تلك الطفلة التي أضحت أماً لأربعة أولاد.

ابتعدت نساء القرية واحدة تلو الأخرى من بيت “هاكوب” لكي تخفف الأم وابنتها شوق الثلاثين عاماً.

أما في الخارج فكان الرجال، ومن تجمع من القرى المجاورة، يتحدثون ويعلقون ويسخرون دون الابتعاد عن بيت “هاكوب”. في الماضي ألحق العثمانيون ضربة قوية بالأرمن ومَن ذبح قتل وتخلص، أما الباقي منهم، وهم كثر، فقدوا دون أثر. كان الناس يعتبرون لقاء “يبراكسي-كيغانوش” ووالدتها أمراً أشبه بالمعجزة.

وفي الداخل كانت الأم وابنتها تتبادلان القصص التي مرت عليهما، وكانت القصتان تتطابقان عن ترك “يبراكسي” في منطقة “الباب”، أما بعد ذلك فكانت الأقوال وروايات الشقاء مشتتة ومتباعدة على وسع العالم بأسره.

كان في ذهن “كيغانوش” سؤال مهم ومؤجل، والكائن الوحيد الذي يمكنه أن يجيب على ذلك السؤال هو الآن في بيتها، وأخيراً طرحت “كيغانوش-يبراكسي” السؤال الذي لطالما عذبها، وبقي داخل انثناءات دماغها.

وتوجه السؤال الذي أحرقها نحو الهدف: – بأي قلب؟ ولماذا تركتني عند تلك النسوة الغريبات في منطقة “الباب”؟

– وما عساي أن أفعل يا روحي، وكيف لي أن أتصرف، كنت في حالة شبه عارية عندما وصلنا إلى “الباب”، وكنت مع أخيك “كيفورك” أياماً طويلة …

– أخي ؟ “كيفورك” ؟.

كانت “كيغانوش” تتذكر وجه أخيها بشكل ضبابي، وما تتذكره هو إصراره على أن تعيد المال إلى النسوة، لكنها لا تتذكر اسم أخيها الوحيد، وها هو أخوها يتوشح اسماً وهو “كيفورك”.

– كنت مع أخيك نتبادل حملك، فقدماك لا تقويان على حملك، فلأكن قرباناً لقدميك يا ابنتي “يبراكسي”، كم كنت ناعمة، وكنا لا نستطيع حملك ونحن جياع وعطشى، وظهرت تلك المرأتان، وكم كانتا لطيفتين وأقسمتا على أن تعيداك عند عودتنا على طريق “تشورك-مارزوان”، “دورت يول”. ماذا كنت سأفعل. كانت صورة والدك تتراءى أمام عيناي، كم كان يحبك “هاروت”، كم كان يرعاك. من جهة صورة والدك ترعبني وأرفض أن أسلمك للغريبتين، ومن جهة ثانية رغبت أن تعيشي أنت بأي ثمن.

لا تشك “كيغانوش” بمصداقية ما ترويه أمها الحقيقية، ولكن من ناحية أخرى يضع نوع من التحفظ حاجزاً أمام أمها الحقيقية.

– أماه، وهل صحيح أن نساء وعذارى أرمنيات ألقين أنفسهن في نهر الفرات؟

فشعرت “لوسين باصماجيان” بنوع من اللوم في هذا السؤال، فأجابت بعد أن ترددت قليلاً:

– نعم، يا ابنتي، كثيرات، كثيرات جداً ألقين أنفسهن في النهر، وسلمن العذاب والعار لأمواج النهر المقدامة. وإن سألتني لماذا لم ألق أنا بنفسي في حضن الفرات، الحق معك، كنت أعلم حقاً بمقتل ابني، ولكن مهما يكن كان بصيص أمل يشتعل بداخلي لربما ابني “أرتين” الغالي نجى من مذبحة الأتراك. ولكن مَن نجاني من تجربة إلقاء نفسي في النهر هو “يبراكسي”، أنتِ من منعني من ذلك، فالأمل بأن ألقاك من جديد كان حياً بداخلي دوماً، وها أنا وجدتك.

كان ذلك شوقاً يستعاد بعد ثلاثين عاماً، فالعنصر النسائي الباقي من عائلة “باصماجيان” من “دورت يول” والذي نجا من لطمات القدر والأتراك، وبعد مصيبة الإعصار التركي ها هو يستعيد نفسه في مكان بعيد عن مهده الأصلي. وشاء القدر أن تدخل الأم وابنتها تحت “جلد” مختلفة، وبقيت “يبراكسي-كيغانوش” أرمنية وأنجبت أربعة صبية أرمن، أما الأم “باصماجيان” “لوسين خانم” سابقاً فقد وجدت طوق نجاتها في دير الزور البعيدة التي أضحت مقبرة الآلاف من الأرمن. ومثلها مثل المئات من النساء أمسكت بطرف الحياة واتكأت على زواج من غريب.

وكانت “لوسين” زوجة ثانية لشخص صبور يتفهم وضعها، ولم يرغمها على تغيير دينها، فأرضته وأنجبت له مثل “هاروت” ولداً اسمه “عيسى” وبنتاً اسمها “بهية”. قبل الزوج أن يسمي ابنه “عيسى” لكي تبقي زوجته اسم ربها المسيح على شفتيها دائماً.

دام اللقاء بين “لوسين” و”يبراكسي – كيغانوش” طويلاً، فلم يقترب لا “هاكوب” ولا أولاده منهما كي لا يزعجوا حميمية وخلوة الأم وابنتها. وبعد ساعات وضعوا الطاولة وبقيت كما هي، ومن له شهية ليأكل.

وطبعاً لم تنسَ الجدة البدوية المدقدقة أن تجلب معها من خيرات مدينتها الجديدة، فأحضرت السمن والجبن وللصغار السكاكر.

طالت زيارتها الأولى تقريباً اسبوع وبعدها أقامت شيئاً فشيئاً علاقة دامت حتى اليوم. بعد اللقاء بعدة سنوات وفي عام 1915 مضى “فاهان” حفيد “لوسين” من كسب إلى دير الزور، وبقي الشاب الأرمني هناك مدة عشر سنوات، وأخذت “لوسين” الشاب إلى ضفاف الفرات حيث أنهت العديد من الأرمنيات حياتهن وأوقفن العار. تعرف “فاهان” إلى سيدات أرمنيات ربطن حياتهن برجال عرب لكي يؤمن على حياتهن إلا أن كل واحدة منهن كانت تحتفظ ببحر من الألم والذكريات في قلوبهن.

وخلال السنوات، أصبح الخال “عيسى” طبيباً وصاحب مستشفى خاصة، أما الخالة “بهية” فتوفيت بعد وقت ليس بطويل من وفاة أمها. واليوم، استقر أفراد عائلة “كيغانوش” في “العالم الجديد”، فالعلاقات بطبيعة الحال منكمشة، ولكن في كل مرة يزور فيها أحد أبناء “كيغانوش” مسقط الرأس لا بد أن يتصل بأولاد ابن “لوسين” الديري “عيسى”.

واليوم، توفيت “يبراكسي-كيغانوش” بعدما عاشت حياة زاخرة في أمريكا حولتها إلى دنيوية في مكان بعيد عن “دورت يول” وكسب حيث عاشت وأنجبت في زمن مضى.

وفي أحد الأيام اعترفت “يبراكسي-كيغانوش” لأختها الروحية “أزادوهي” وقالت:

– يا أختي “أزاد”، سعدت جداً لأني عثرت على أمي، ولكن لماذا كان عليّ أن أمر بهذا الجحيم، لماذا ؟

* * *

حصلت على المعلومات في مغامرة “توتيكيان-باصماجيان كيغانوش-يبراكسي” من الأشخاص التالية:

– السيدة “أني أبيليان” حفيدو “بولي تشوروكيان”.

– السيدة “أزاد بتياس تشوروكيان” ابنة “بولي” والأخت الروحية لـ”كيغانوش”.

– القس د. “فاهان توتيكيان” ابن “كيغانوش” البكر، وهو رئيس الاتحاد العالمي للانجيليين الأرمن، وهو صاحب العديد من المؤلفات في “ديترويت” – الولايات المتحدة الأمريكية.

من كتاب “شهادة مدى الحياة”
لجورج كيفورك أبيليان

Leave a Reply

Your email address will not be published.