عودة «العثمانى القديم»

قدم «العثمانيون الجدد» أنفسهم للعالم، كما جرى تقديمهم لنا باعتبارهم نموذجا للواقعية السياسية، وجاء وزير خارجيتهم داوود أوغلو، إلى القاهرة أكثر من مرة ليشرح لمراكز الفكر والدراسات رؤية العثمانية الجديدة للتنمية الاقتصادية وللعلاقات المتجددة مع الجوار الإقليمى، خلاصة رؤيتهم هى أن تركيا مع حزب العدالة والتنمية الذى ينسب نفسه إلى تيار الإسلام السياسى ثقافيا وحضاريا، سلكت طريقا جديدا يستند إلى حل كل المشكلات التاريخية مع دول الجوار والتى كانت ضمن الإمبراطورية العثمانية مترامية الأطراف فى يوم ما قبل أن تصبح الرجل المريض الذى تقتسم دول أوروبا ممتلكاته.

طرح العثماني الجديد، داوود أوغلو رؤيته للعلاقة مع دول الجوار من خلال ما أسماه «صفر مشاكل» أى تسوية كل المشكلات فى البلقان وإلى الجوار الجنوبى، وطرح العثماني الجديد على شعوب وأعراق عديدة ارتكب العثماني القديم بحقها جرائم وصلت إلى حد الإبادة (الأرمن) وأخرى عاق حقها فى تقرير المصير وظلمها تاريخيا (الأكراد).

فى الوقت نفسه قدم العثماني الجديد نفسه لأوروبا باعتباره نموذجا للدولة الإسلامية العلمانية التى يمكن أن تكون جزءا من أوروبا، تؤمن بقيمها الحديثة وتتعامل معها من منطلق المصلحة الوطنية.نجح العثمانى الجديد رجب طيب أردوغان فى توظيف خطاب العثمانية الجديدة من أجل جذب الاستثمارات العربية والدولية، وحقق نموا مضطردا دفع الاقتصاد التركى إلى طريق نهضة حقيقية. واصل العثمانى الجديد طريق التنمية والنهوض إلى أن سقط القناع وكشف قادة تركيا عن أنهم عثمانيون فقط، أما وصف الجديد وما طرحوه من سياسات، فإنه لا يعدو أن يكون مجرد شعارات وأقنعة وضعوها على وجوه قديمة وعقول لم تتغير منذ عقود وربما قرون.

طوروا العلاقات مع سوريا وفتحوا الحدود وألغوا التأشيرات فى زمن ترويج العثمانية الجديدة، قدموا أنفسهم إلى الغرب باعتبارهم «كبير المنطقة» الذى يمكن أن يضبط إيقاعها ويقودها فى السنوات القادمة. بدأت تركيا طريقها نحو الهاوية عندما شرعت فى ممارسة سياسات السيطرة والهيمنة وسمحت لنفسها بالتدخل الفج فى الشؤون الداخلية لدول الجوار، سعت كغيرها من النظم السلطوية فى المنطقة إلى امتطاء القضية الفلسطينية من أجل دغدغة مشاعر العامة والبسطاء، أطلقت الكثير من التصريحات المؤيدة للشعب الفلسطينى، حاولت أن تبدو فى شكل مَن يضحى بعلاقاته مع إسرائيل لخدمة القضية الفلسطينية، ….

بدت فى صورة الملهم لثورات «الربيع العربى» وقدمت نفسها باعتبارها النموذج الذى ينبغى أن تحتذى به الدول العربية. فى سوريا كشف النظام التركى عن وجهه العثماني القديم وبدأت عملية سقوط الأقنعة التى وضعوها على وجوههم.

بدأ المصريون تحديهم لحكم المرشد والجماعة، وسرعان ما بدأت تركيا تشهد احتجاجات ضد الحكومة، فجاءت كلمات رئيس وزراءها رجب طيب أردوغان نسخة من كلمات مرسى التى كانت تثير الاستهزاء، تحدث أردوغان مثلما تحدث مرسى، قال إنه منتخب، ولديه أنصار، ولا مساس بالشرعية، وإن المتظاهرين مدفوعون من الخارج على النحو الذى جعل الخبراء والمحللين ووسائل الإعلام تقارن بين كلمات أردوغان ومرسى وتصل إلى استنتاج مؤداه أن خطاب أردوغان يكاد يكون مشابها لخطاب مرسى من حيث المبررات والحجج والاتهامات للمعارضة. ثم جاءت ثورة الثلاثين من يونيو التى أطاحت بمرسى ففقد العثمانيون ما كان لديهم من حصافة، وتهاوت معها نظرية «صفر مشاكل» فأدخلوا أنفسهم فى خلافات وصراعات أعادت إنتاج صورة العثمانى القديم الذى دفع المنطقة إلى حالة من التخلف. جاءت ثورة الثلاثين من يونيو ففقد أردوغان ما كان يضعه على الوجه من قناع، قال الرجل إن رئيس مصر الشرعي هو مرسى وإن تركيا لن تتعامل مع الحكومة الجديدة فى مصر، فى خطوة تكشف أنه تصرف من منطلق انتمائه إلى الجماعة لا كسياسى يقود دولة إقليمية، دخل فى عداء مع مصر وشعبها ليس له أى مبرر سوى فقدان القدرة على ضبط الأعصاب بعد سقوط حكم الجماعة فى مصر. استضاف أردوغان بعد ذلك اجتماع التنظيم العالمى لجماعة الإخوان والذى وضع خطة استهداف مصر والمصريين، واختراق الجيش المصرى تمهيدا لإسقاطه، هى أوهام كأوهام المرشد والجماعة، لكنها تشير فى الوقت نفسه على انتهاء حقبة النهوض التركي بأقنعة العثمانية الجديدة وعودة الوجه القبيح للعثماني القديم.

د. عماد جاد

التحرير نيوز

Leave a Reply

Your email address will not be published.